علي بن محمد البغدادي الماوردي

266

أدب الدنيا والدين

استوى حالتاه قبل الإغضاب وبعده فقد عدم من فضائل النفس الشجاعة والأنفة والحمية والغيرة والدفاع والأخذ بالثأر لأنها خصال مركبة من الغضب فإذا عدمها الإنسان هان بها ولم يكن لباقي فضائله في النفوس موضع ولا لوفور حلمه في القلوب موقع . وقد قال المنصور : إذا كان الحلم مفسدة كان العفو معجزة . وقال بعض الحكماء : العفو يفسد من اللئيم بقدر إصلاحه من الكريم . وقال عمرو بن العاص : أكرموا سفهاءكم فإنهم يقونكم العار والشنار « 1 » . وقال مصعب بن الزبير : ما قل سفهاء قوم إلّا ذلوا . وقال أبو تمام الطائي : والحرب تركب رأسها في مشهد * عدل السفيه به بألف حليم وليس هذا القول إغراء بتحكم الغضب والانقياد إليه عند حدوث ما يغضب فيكسب بالانقياد للغضب من الرذائل أكثر مما يكسبه عدم الغضب من الفضائل ولكن إذا ثار به الغضب عند هجوم ما يغضبه كف سورته بحزمه وأطفأ ثائرته بحلمه ووكل من استحق المقابلة إلى غير ولا يعدم مسيء متكافئا كما لن يعدم محسن مجازيا . والعرب تقول : دخل بيتا ما خرج منه أي ان خرج منه خير دخله خير وإن خرج منه شر دخله شر . وأنشد ابن دريد عن أبي « 2 » حاتم : إذا أمن الجهال جهلك مرة * فعرضك للجهال غنم « 3 » من الغنم فعمّ عليه الحلم والجهل وألقه * بمنزلة بين العداوة والسلم إذا أنت جاريت السفيه كما جرى * فأنت سفيه مثله غير ذي حلم ولا تعضبن عرض السفيه وداره * بحلم فإن أعيا عليك فبالصرم فيرجوك تارات ويخشاك تارة * ويأخذ فيما بين ذلك بالحزم

--> ( 1 ) الشّنار : أقبح العيب . ( 2 ) عن أبي حاتم : سهل بن سعد السجستاني ، من أعاظم الأدباء ، وأخذ منه ابن دريد والمبرد وغيرهما ، وكان من أهل التقوى ، يتصدق كل يوم بدينار ، ويختم القرآن في كل أسبوع ، توفي في البصرة سنة 248 . ( 3 ) غنم : ذهب وغاب .