علي بن محمد البغدادي الماوردي
262
أدب الدنيا والدين
تغرقن في سبنا ودع للصلح موضعا فأنا لا نكافئ من عصبى اللّه فينا بأكثر من أن نطيع اللّه عز وجل فيه . وشتم رجل الشعبي فقال : إن كنت كما قلت فغفر اللّه لي وإن لم أكن كما قلت فغفر اللّه لك . واغتاظت عائشة رضي اللّه عنها على خادم لها ثم رجعت إلى نفسها فقالت : للّه درّ التقوى ما أهل دمشق قطيفة فلم تعجبه فخلف أن يضرب بها رأس معاوية فأتاه فأخبره فقال له معاوية : أوف بنذرك وليرفق الشيخ بالشيخ . والثاني من أسباب القدرة على الانتصار وذلك من سعة الصدر وحسن الثقة . وقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « إذا قدرت على عدوّك فاجعل العفو شكرا للقدرة عليه » . وقال بعض الحكماء : ليس من الكرم عقوبة من لا يجد امتناعا من السطوة . وقال بعض البلغاء : أحسن المكارم عفو المقتدر وجود المفتقر . والثالث من أسبابه الترفع عن السباب وذلك من شرف النفس وعلوّ الهمة كما قالت الحكماء : شرف النفس أن تحمل المكاره كما تحمل المكارم . وقد قيل : إن اللّه تعالى سمى يحيى عليه السلام سيدا لحلمه . وقد قال الشاعر : لا يبلغ المجد أقوام وإن كرموا * حتى يذلوا وإن عزوا الأقوام ويشتموا فترى الألوان مسفرة * لا صفح ذل ولكن صفح أحلام والرابع من أسبابه الاستهانة بالمسيء وذلك عن ضرب من الكبر والإعجاب كما حكي عن مصعب بن الزبير أنه لما ولي العراق جلس يوما لعطاء الجند وأمر مناديه فنادى أين عمرو بن جرموز وهو الذي قتل أباه الزبير فقيل له : أيها الأمير إنه قد تباعد في الأرض فقال أو يظن الجاهل أني أقيده بأبي عبد اللّه فليظهر آمنا ليأخذ عطاءه موفرا فعدّ الناس ذلك من مستحسن الكبر . ومثل ذلك قول بعض الزعماء في شعره : أو كلما طنّ الذباب طردته * ان الذباب إذن عليّ كريم وأكثر رجل من سبب الأحنف وهو لا يجيبه فقال : واللّه ما منعه من جوابي إلّا هواني عليه وفي مثله يقول الشاعر : نجا بك لؤمك منجى الذباب * حمته مقاذيره أن ينالا وأسمع رجل ابن هبيرة فأعرض عنه له الرجل : إياك أعني فقال له :