علي بن محمد البغدادي الماوردي
261
أدب الدنيا والدين
وإنني لأرى من لا حياء له * ولا أمانة وسط القوم عريانا ( الفصل الرابع في الحلم والغضب ) روى محمد بن حارث الهلالي أن جبرئيل نزل على النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : يا محمد إني أتيتك بمكارم الأخلاق في الدنيا والآخرة خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين . وروى سفيان بن عينية أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حين نزلت هذه الآية قال : « يا جبريل ما هذا قال : لا أدري حتى أسأل العالم ثم عاد جبريل وقال : يا محمد إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك » . وروى هشام عن الحسن أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم « 1 » كان إذا خرج من منزله قال : اللهم إني تصدّقت بعرضي على عبادك » وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « إن اللّه يحب الحليم الحيّ ويبغض الفاحش البذيّ » وقال عليه الصلاة والسلام : « من حلم ساد ومن تفهم ازداد » . وقال بعض الأدباء : من غرس شجرة الحلم اجتنى ثمرة السلم . وقال بعض البلغاء : ما ذب « 2 » عن الأعراض كالصفح والإعراض وقال بعض الشعراء : أحبّ مكارم الأخلاق جهدي * وأكره أن أعيب وأن أعابا واصفح عن سباب الناس حلما * وشرّ الناس من يهوي السبابا ومن هاب الرجال تهيبوه * ومن حقر الرجال فلن يهابا فالحلم من أشرف الأخلاق وأحقها بذوي الألباب لما فيه من سلامة العرض وراحة الجسد واجتلاب الحمد . وقد قال علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه : أوّل عوض الحليم عن حلمه أن الناس أنصاره . وحدّ الحلم ضبط النفس عند هيجان الغضب وهذا يكون عن باعث وسبب . وأسباب الحلم الباعثة على ضبط النفس عشرة : أحدها الرحمة للجهال وذلك من خير يوافق رقة . وقد قيل في منثور الحكم : من أوكد أسباب الحلم رحمة الجهال . وقال أبو الدرداء رضي اللّه عنه لرجل اسمعه كلاما : يا هذا لا
--> ( 1 ) كأبي ضمضم : ضمضم : اسمه برثن بن الحارث . ( 2 ) ماذب : ما دفع وطرد .