علي بن محمد البغدادي الماوردي
23
أدب الدنيا والدين
حماري فهمّ به نبيّ من بني إسرائيل فأوحى اللّه إليه إنما أثيب كل إنسان على قدر عقله . واستعمل معاوية رجلا من كلب « 1 » فذكر المجوس « 2 » يوما عنده فقال : لعن اللّه المجوس ينكحون أمهاتهم واللّه لو أعطيت عشرة آلاف درهم ما نكحت أمي فبلغ ذلك معاوية فقال : قبحه اللّه أترونه لو زادوه فعل وعزله وولى الربيع العامري ( وكان من النوكى « 3 » ) سائر اليمامة فأقاد كلبا « 4 » بكلب فقال فيه الشاعر : شهدت بأن اللّه حق لقاؤه * وأن الربيع العامريّ رقيع « 5 » أقاد لنا كلبا بكلب ولم يدع * دماء كلاب المسلمين تضيع وليس لمعارّ « 6 » الجهل غاية ولا لمضارّ الحمق نهاية قال الشاعر : لكل داء دواء يستطبّ به * إلا الحماقة أعيت « 7 » من يداويها ( فصل ) وأما الهوى « 8 » فهو عن الخير صادّ « 9 » وللعقل مضادّ لأنه ينتج من الأخلاق قبائحها ويظهر من الأفعال فضائحها ويجعل ستر المروءة مهتوكا ومدخل الشر مسلوكا . قال عبد اللّه بن عباس « 10 » رضي اللّه عنهما : الهوى إله
--> ( 1 ) كلب : علم قبيلة . ( 2 ) المجوس : على وزن صبور ، معرب منج كوش أي صغير الأذن ، كان علم شخص ، اخترع عبادة النار ووضعها ، ودعا الناس إليها ، ثم سمى أتباعه بالمجوس . ( 3 ) النّوكى : على وزن سكرى جمع أنوك . ( 4 ) فاقاد كلبا بكلب : أي قتل الكلب القاتل بدل الكلب المقتول قصاصا . ( 5 ) رقيع : أحمق ، كأن عقله مرقّع ، أو محتاج إلى الرقعة لخرقه . ( 6 ) لمعار : المعار جمع معرة : الضر والعار . ( 7 ) أعيت : أعجزت طبيبها المداوي لامتناع تداويها . ( 8 ) الهوى : ميل النفس إلى خلاف ما يقتضيه الشرع ، لأنه يهوي بصاحبه إلى الداهية في الدنيا ، والهاوية في العقبى . فهو من هوى يهوي هويا بضم الهاء . أي سقط . ( 9 ) صادّ : مانع وصارف . ( 10 ) عبد اللّه بن عباس : بن عبد المطلب القرشي الهاشمي ، أبو العباس حبر الأمة ، الصحابي الجليل ، ولد بمكة ، ونشأ في بدء عصر النبوة ، فلازم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وروى عنه الأحاديث الصحيحة ، وشهد مع علي رضي اللّه عنه الجمل وصفين ، وكيف بصره في آخر عمره ، فسكن الطائف ، وتوفي بها . سنة 118 ه - له في الصحيحين 1660 حديثا . قال ابن مسعود : نعم ترجمان القرآن ابن عباس . كان آية في الحفظ ، أنشده ابن ربيعة قصيدته التي مطلعها : « ان آل نعم أتت غاد فمبكر » فحفظها في مرة واحدة ، وهي ثمانون بيتا .