علي بن محمد البغدادي الماوردي

24

أدب الدنيا والدين

يعبد من دون اللّه ثم تلا أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وقال عكرمة « 1 » في قوله تعالى : وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ يعني بالشهوات وَتَرَبَّصْتُمْ يعني بالتوبة وَارْتَبْتُمْ يعني في أمر اللّه وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ يعني بالتسويف حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ يعني الموت وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ يعني الشيطان . وروى عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : طاعة الشهوة داء وعصيانها دواء وقال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : اقدعوا « 2 » هذه النفوس عن شهواتها فإنها طلاعة « 3 » تنزع « 4 » إلى شر غاية إن هذا الحق ثقيل مري « 5 » وأن الباطل خفيف وبيّ « 6 » وترك الخطيئة خير من معالجة التوبة ورب نظرة زرعت شهوة وشهوة ساعة أورثت حزنا طويلا . وقال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : أخاف عليكم اثنين اتباع الهوى وطول الأمل فان أتباع الهوى يصدّ عن الحق وطول الأمل ينسى الآخرة . وقال الشعبيّ : إنما سمي الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه . وقال أعرابي : الهوى « 7 » هو ان ولكن غلط باسمه فأخذه الشاعر وقال : ان الهوان هو الهوى قلب اسمه * فإذا هويت فقد لقيت هوانا

--> ( 1 ) عكرمة : مولى ابن عباس ، هو أبو عبد اللّه المدني ، أصله من البربر ، من أهل المغرب ، سمع مولاه ، وعبد اللّه بن عمر وخلقا من الصحابة وكان من العلماء في زمانه بالعلم والقرآن ، وسمع عنه خالد الحذاء ، وأيوب وخلق ، وتكلم عليه لرأيه رأي الخوارج . وكان جوالا في البلاد ، مات بالمدينة سنة 107 ه - ومات في يومه كثيّر الشاعر فقيل : مات اليوم أفقه الناس ، وأشعر الناس . ( 2 ) اقدعوا : بالدال المهملة ، أمر من قدعه مثل ضعه لفظا ومعنى . ( 3 ) طلعة : بضم ففتحتين مثل همزة ، يقال : نفس طلعة إذا كانت تكثر التطلع إلى الشيء ، يعني كثرة الميل إلى ما تشتهيه . ( 4 ) تنزع : تميل وتسرع . ( 5 ) مرّىّ : على وزن درى . والمرى : دواء معروف بين الأطباء ، به الحق . ( 6 ) وبيّ : على وزن ورى . أي من طبعه الإهلاك كالوباء ، والياء في مري ووبي لنسبة المشبه إلى المشبه به . ( 7 ) هوان : بالفتح : ذل وخزي .