علي بن محمد البغدادي الماوردي

212

أدب الدنيا والدين

الكذوب ثم لا سبيل لمطلة بعد الوعد لما في المطل من تكدير الصنيع وتمحيق الشكر . والعرب تقول في أمثالها : المطل أحد المنعين واليأس أحد النجحين . وقال بشار بن برد : أظلت علينا منك يوما غمامة * أضاءت لنا برقا وأبطأ رشاشها فلا غميها يجلي فييأس طامع * ولا غيثها يأتي فيروي عطاشها ثم إذا أنجز وعده وأوفى عهده لم يتبع نفسه ما أعطي ويسّر ان كانت يده العليا « 1 » فقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « اليد العليا خير من اليد السفلى « 2 » » . وقال الشاعر : فإنك لا تدري إذا جاء سائل * أأنت بما تعطيه أم هو أسعد ؟ عسى سائل ذو حاجة إن منعته * من اليوم سؤلا أن يكون له غد وليكن من سروره إذا كانت الأرزاق مقدّرة أن تكون على يده جارية ومن جهته واصلة لا تنتقل عنه بمنع ولا تتحوّل عنه بأيأس . وحكي أن رجلا شكا كثرة عياله إلى بعض الزهاد فقال : أنظر من كان منهم ليس رزقه على اللّه عز وجل فحوّله إلى منزلي . وقال ابن سيرين لرجل كاد يأتيه على دابة ففقد الدابة : ما فعل برذونك ؟ قال : اشتدّت عليّ مئونته فبعته قال : أفتراه خلف رزقه عندك . وقال ابن الرومي رحمه اللّه : إن للّه غير مرعاك مرعى * نرتعيه وغير مائك ماء إن اللّه بالبرية لطفا * سبق الأمهات والآباء ثم ليكن عطائه للّه تعالى وأكثر قصده ابتغاء ما عند اللّه عز وجل كالذي حكاه أبو بكرة « 3 » عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أن أعرابيا أتاه فقال :

--> ( 1 ) العليا : المنفقة . ( 2 ) السفلى : السائلة الآخذة . ( 3 ) أبو بكرة : بن الحارث بن كلدة بفتحتين ، طبيب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، كان من فضلاء الصحابة ، ولم يزل مجتهدا في العبادة حتى توفي بالبصرة سنة 52 .