علي بن محمد البغدادي الماوردي
213
أدب الدنيا والدين
يا عمر الخير جزيت الجنة * أكس بنياتي وامهنه وكن لنا من الزمان جنة * أقسم باللّه لتفعلنه فقال عمر رضي اللّه عنه : فإن لم أفعل يكون ما ذا ؟ فقال : إذن أبا حفص لأذهبنه فقال : فإذا ذهبت يكون ما ذا ؟ فقال : يكون عن حالي لتسألنه * يوم تكون الأعطيات هنّه « 1 » وموقف المسؤول بينهنه * إما إلى نار وإما جنة فبكى عمر رضي اللّه عنه حتى اخضلت لحيته ثم قال : يا غلام أعط قميصي هذا لذلك اليوم لا لشعره أما واللّه لا أملك غيره . وإذا كان العطاء على هذا الوجه خلا من طلب جزاء وشكر وعرى عن امتنان ونشر فكان ذلك أشرف للباذل وأهنأ للقابل . وأما المعطي إذا التمس بعطائه الجزاء وطلب به الشكر والثناء فهو خارج بعطائه عن حكم السخاء لأنه إن طلب به الشكر والثناء كان صاحب سمعة ورياء وفي هذين من الذم والسمعة ما ينافي السخاء وإن طلب به الجزاء كان تاجرا متربحا لا يستحق حمدا ولا مدحا . وقد قال ابن عباس رضي اللّه عنهما في تأويل قوله تعالى : وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ انه الذي يعطي عطيه يلتمس بها أفضل منها . وكان الحسن البصري رضي اللّه عنه يقول في تأويل ذلك لا تمنن بعملك تستكثر على ربك وقال أبو العتاهية : وليست يد أوليتها بغنيمة * إذا كنت ترجو أن تعدّ لها شكرا غنى المرء ما يكفيه من سدّ حاجة * فإن زاد شيئا عاد ذلك الغني فقرا واعلم أن الكريم يجتدى « 2 » بالكرامة واللطف واللئيم يجتدي بالمهانة والعنف فلا يجود إلّا خوفا ولا يجيب إلّا عنفا كما قد قال الشاعر :
--> ( 1 ) هنّة : والهن : البكاء والاشتياق إلى شيء بالرقة يقال : هن إليه إذا حن إليه ، والمراد أن الأعطيات تكون شيئا يحن إليه ، أو يبكي على فواته . ( 2 ) يجتدى : بالمجهول ، يقال : اجتداه إذا سأله حاجة ، واجداه إذا أعطاه .