علي بن محمد البغدادي الماوردي
202
أدب الدنيا والدين
فالسبب الأوّل - أن يرى خلة يقدر على سدّها وفاقة يتمكن من إزالتها فلا يدعه الكرم والتدين إلّا أن يكون زعيم صلاحها وكفيل نجاحها رغبة في الأجر إن تدين وفي الشكر إن تكرم . وقال أبو العتاهية : ما الناس إلّا آلة معتمله « 1 » * للخير والشر جميعا فعله والسبب الثاني - أن يرى في حاله فضلا عن حاجته في يده زيادة عن كفايته فيرى انتهاز الفرصة بها فيضعها حيث تكون له ذخرا معدّا وغنما مستجدّا . وقد قال الحسن البصري رحمه اللّه : ما أنصفك من كلفك إجلاله ومنعك ماله . وقيل لهند بنت « 2 » الحسن : من أعظم الناس في عينك ؟ قالت من كان لي إليه حاجة . وقال الشاعر : وما ضاع مال ورّث الحمد أهله * ولكنّ أموال البخيل تضيع والسبب الثالث - أن يكون لتعريض يتنبه عليه لفطنته وإشارة يستدل عليها بكرمه فلا يدعه الكرم أن يغفل ولا الحياء أن يكف . وقد حكي أن رجلا ساير بعض الولاة فقال : ما أهزل برذونك « 3 » ؟ فقال : يده ما أيدينا فوصله اكتفاء بهذا التعريض الذي بلغ ما لا يبلغه صريح السؤال . ولذلك قال أكثم بن صيفي : السخاء حسن الفطنة واللؤم سوء التغافل . وحكي أن عبيد اللّه بن سليمان لما تقلد وزارة المعتضد كتب إليه عبد اللّه بن عبد اللّه ابن طاهر : أبى دهرنا إسعافنا في نفوسنا * وأسعفنا فيمن نحب ونكرم فقلت له : نعماك فيه أتمها * ودع أمرنا إن المهم مقدّم فقال عبيد اللّه : ما أحسن ما شكا أمره بين أضعاف مدحه ثم قضى حاجته . وقال بعض الشعراء :
--> ( 1 ) معتملة : يقال : اعتمل الرجل إذا عمل لنفسه . ( 2 ) هند بنت الحسن : بن حابس الايادي ، قال الجاحظ : ومن أهل الدهاء والنكراء ، ومن أهل اللسن واللقن ، والجواب العجيب ، والكلام الفصيح والأمثال السائرة والمخارج العجيبة هند بنت الحسن ، وهي الزرقاء . ( 3 ) برذونك : البرذون شامل لكل أنواع الدابة .