علي بن محمد البغدادي الماوردي
203
أدب الدنيا والدين
ومن لا يرى من نفسه مذكرا لها * رأى طلب المستنجدين ثقيلا والسبب الرابع - أن يكون ذلك رعاية ليد أو جزاء على صنيعة فيرى تأدية الحق طوعا إما أنفة وإما شكرا ليكون من أسر الامتنان طليقا ومن رق الإحسان وعبوديته عتيقا . وقال بعض الحكماء : الإحسان رق والمكافأة عتق . وقال أبو العتاهية رحمه اللّه تعالى : وليست أيادي الناس عندي غنيمة * ورب يد عندي أشدّ من الأسر والسبب الخامس - أن يؤثر الإذعان بتقديمه والإقرار بتعظيمه توطيدا لرئاسة هو لها محب وعلى طلبها مكب . وقد قال الشاعر : حب الرئاسة داء لا دواء له * وقلما تجد الراضين بالقسم فتستصعب عليه إجابة النفوس له طوعا إلّا بالاستعطاف وإذعانها إلّا بالرغبة والإسعاف . وقد قال بعض الأدباء : بالإحسان يرتبط الإنسان وقال بعض البلغاء : من بذل ماله أدرك آماله . وقال بعض الشعراء : أترجو أن تسود بلا عناء * وكيف يسود ذو الدعة البخيل والسبب السادس - أن يدفع به سطوة أعدائه ويستكف به نفار خصمائه ليصيروا له بعد الخصومة أعوانا وبعد العداوة إخوانا إما لصيانة عرض وإما لحراسة مجد . وقد قال أبو تمام الطائي : ولم يجتمع شرق وغرب لقاصد * ولا المجد في كف امرئ والدراهم ولم أر كالمعروف تدعي حقوقه * مغارم في الأقوام وهي مغانم وقال بعض الأدباء : من عظمت مرافقه أعظمه مرافقه : والسبب السابع - أن يرب به سالف صنيعة أولاها ويراعى به قديم نعمة أسداها كيلا ينسى ما أولاه أو يضاع ما أسداه فإن مقطوع البر ضائع ومهمل الإحسان ضال . وقد قال الشاعر : وسمت امرأ بالبر ثم اطرحته * ومن أفضل الأشياء رب الصنائع وقال محمد بن داود الأصبهاني : بدأت بنعمى أوجبت لي حرمة * عليك فعد بالفضل فالعود أحمد