علي بن محمد البغدادي الماوردي
174
أدب الدنيا والدين
الفروك « 1 » وقالوا : إن الرجل إذا أكره المرأة وهي مذعورة « 2 » ثم أذكرت « 3 » أنجبت « 4 » ( والحالة الثانية ) أن يكون المقصود به القيام بما يتولاه النساء من تدبير المنازل فهذا وإن كان مختصا بمعاناة النساء فليس بألزم حالتي الزوجات لأنه قد يجوز أن يعانيه غيرهن من النساء ولذلك قيل : المرأة ريحانة وليست بقهرمانة « 5 » وليس في هذا القصد تأثير في دين ولا قدح في مروءة والأحمد في مثل هذا التماس ذوات الأسنان والحنكة « 6 » ممن قد خبرن تدبير المنازل وعرفن عادات الرجال فإنهن أقوم بهذه الحال ( والحالة الثالثة ) أن يكون المقصود به الاستماع وهي أذم الأحوال الثلاث وأوهنها للمروءة لأنه ينقاد فيه لأخلاقة البهيمية ويتابع شهوته الذميمة . وقد قال الحرث بن النضر الأزدي : شرّ النكاح نكاح الغلبة « 7 » إلّا أن يفعل ذلك لكسر الشهوة وقهرها بالاضعاف لها عند الغلبة أو تسكين النفس عند المنازعة حتى لا تطمح بذات عين لريبة ولا تنازعه نفس إلى فجور ولا يلحقه في ذلك ذم ولا يناله وصم « 8 » وهو بالحمد أجدر وبالثناء أحق ولو تنزه في مثل هذه الحال عن استبذال الحرائر إلى الإماء كان أكمل لمروءته وأبلغ في صيانته . وهذه الحال تقف على شهوات النفوس لا يمكن أن يرجح فيها أولى الأمور وهي أخطر الأحوال بالمنكوحة لأن الشهوات غايات متناهية يزول بزوالها ما كان متعلقا بها فتصير الشهوة في الابتداء كراهية في الانتهاء ولذلك كرهت
--> ( 1 ) الفروك : هي البغيضة لزوجها ، أي لكراهتها للفحولة وهذه هي مادة العفة وسببها الطبيعي ، كما أن الشره مادة الفجور . ( 2 ) مذعورة : أي نافرة ، ومتهورة من لهب الغيظ والإكراه ، ولم تسكن غيظها بعد . ( 3 ) أذكرت : أي على تلك الحال ، وهو بالبناء للمفعول ، أي جومعت . ( 4 ) أنجبت : لأن شهوتها لا تزيد على شهوته حينئذ وأيضا يسكن غضبها بميل الزوج إليها ، وتطيب قلبها فتتعلق به وهي كاظمة لغيظها . وحالة الكظم تحرك القوى العقلية ، وتوقظ القوى الفكرية ، وتزيد الجميلة جمالا ، فيتعلق بها الرجل أكثر ، وذلك مادة النجابة . ( 5 ) القهرمانة : المرأة المختصة بإدارة شؤون المنزل . ( 6 ) والحنكة : على وزن غرفة : من استحكم فكره وعقله بالتجارب . ( 7 ) الغلبة : بضم فسكون : هو غلبة الشهوة الجماعية ، والاستلذاذ بها . ( 8 ) وصم : أي مرض ، والمراد بلحقه ذم في الآخرة .