علي بن محمد البغدادي الماوردي

173

أدب الدنيا والدين

أحسنت إليكم صغارا وكبارا وقبل أن تولدوا قالوا : وكيف أحسنت إلينا قبل أن نولد ؟ قال : اخترت لكم من الأمهات من لا تسبون بها . وأنشد الرياشي : فأوّل إحساني إليكم تخيري * لماجدة الأعراق باد عفافها ثم إن السبب الباعث على التزوّج لا يخلو من ثلاثة أحوال : ( أحدها ) أن يكون لطلب الولد فقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « عليكم بالأبكار فإنهن أعذب « 1 » أفواها وأنتق أرحاما وأرضى باليسير » ومعنى قوله أنتق أرحاما أي أكثر أولادا . وقال معاذ بن جبل رضي اللّه عنه : عليكم بالأبكار فإنهنّ أكثر حبا وأقل خنا وهذه الحال هي أولى الأحوال الثلاث لأن النكاح موضوع لها والشرع وارد بها . وقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « سوداء ولود خير من حسناء عاقر « 2 » » والعرب تقول في أمثالها : من لا يلد لا ولد « 3 » . وقد كانوا يختارون لمثل هذه الحال نكاح البعداء الأجانب ويرون أن ذلك أنجب للولد وأبهى للخلقة ويجتنبون نكاح الأهل والأقارب ويرونه مضرا بخلق الولد بعيدا من نجابته . روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : اغتربوا ولا تضووا « 4 » وروي عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أنه قال : يا بني السائب قد ضويتم فانكحوا في الغرائب . وقال الشاعر : تجاوزت بنت العم وهي حبيبة * مخافة أن يضوي عليّ سليلي « 5 » وكانت حكماء المتقدمين يرون أن أنجب الأولاد خلقا وخلقا من كان سن أمه بين العشرين والثلاثين وسن أبيه ما بين الثلاثين والخمسين . والعرب تقول : إن ولد الغيري « 6 » لا ينجب وان أنجب النساء

--> ( 1 ) أعذب أفواها : أي أحلى كلاما لعدم تعودهن فحش الكلام . ( 2 ) عاقر : لا تلد . ( 3 ) لا ولد : أي كأنه لم يكن مولودا . ( 4 ) لا تضووا : من أضوت المرأة جاءت بولد ضاو أي مهزول . ( 5 ) سليلي : أي ولدي المسلول عنها . ( 6 ) الغيري : مؤنث غيران كسكران وسكرى يقال : غار الرجل على امرأته ، وغارت المرأة على زوجها إذا خافت عليه من الحمية . والمراد الشرهة الرغبة إلى الفحولة أشد الرغبة ، ولا تشبه منها أبدا ، لغلبتها على زوجها .