علي بن محمد البغدادي الماوردي
103
أدب الدنيا والدين
وأمّه إلهين من دونه فقال : مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ فجعل حاجتهما إلى الطعام نقصا فيهما عن أن يكونا إلهين . وقد وصف الحسن البصري رحمه اللّه تعالى في قصصه نقص الانسان بالطعام وغيره فقال مسكين ابن آدم محتوم « 1 » الأجل مكتوم « 2 » الأمل مستور العلل يتكلم بلحم وينظر بشحم ويسمع بعظم أسير جوعه صريع « 3 » شبعه تؤذيه البقة « 4 » وتنتنه « 5 » العرقة وتقتله الشرقة « 6 » لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا . فانظر إلى لطفه بنا فيما أوجبه من الصيام علينا كيف أيقظ العقول « 7 » له وقد كانت عنه غافلة أو متغافلة ونفع النفوس به ولم تكن لولاه منتفعة ولا نافعة . ثم فرض زكاة الأموال وقدّمها على فرض الحج لأن في الحج مع إنفاق المال سفرا شاقا فكانت النفس إلى الزكاة أسرع إجابة منها إلى الحج فكان في إيجابها مواساة للفقراء ومعونة لذوي الحاجات تكفهم عن البغضاء وتمنعهم من التقاطع وتبعثهم على التواصل لأن الآمل وصول والراجي هائب وإذا زال الأمل وانقطع الرجاء واشتدّت الحاجة وقعت البغضاء واشتدّ الحسد فحدث التقاطع بين أرباب الأموال والفقراء ووقعت العداوة بين ذوي الحاجات والأغنياء حتى تفضي إلى التغالب على الأموال والتغرير بالنفوس . هذا
--> ( 1 ) محتوم الأجل : أي يموت في أجل محدد لا محالة . ( 2 ) مكتوم الأمل : لا يظهره خوفا من سبق غيره ، أو من لحون الأمل كما في الآمال الجنسية . ( 3 ) صريع شبعه : أي مصروعه ومغلوبه ، يقال : صرعه إذا طرحه على الأرض . ( 4 ) البقة : وهي البعوضة أو أكبرها . ( 5 ) وتنتنه : النتن : الرائحة الكريهة . والمراد أن ينغص برشح جلده . ( 6 ) الشرق : يقال شرق الرجل بريقه إذا غص ، وانسداد الريق يستلزم انقطاع النفس ، والمعنى يقتله ريقه . ( 7 ) أيقظ العقول له : أي لذلك الاحتياج .