علي بن محمد البغدادي الماوردي

104

أدب الدنيا والدين

مع ما في أداء الزكاة من تمرين النفس على السماحة المحمودة ومجانبة الشيخ المذموم لأن السماحة تبعث على أداء الحقوق والشح يصدّ عنها وما يبعث على أداء الحقوق فأجدر به حمدا وما صدّ عنها فأخلق به ذما . وقد روى أبو هريرة رضي اللّه عنه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « شر ما أعطى العبد شح هالع وجبن خالع » . فسبحان من دبرنا بلطيف حكمته وأخفى عن فطنتنا جزيل نعمته حتى استوجب من الشكر بإخفائها أعظم مما استوجبه بإبدائها . ثم فرض الحج فكان آخر فروضه لأنه يجمع عملا على بدن وحقا في مال فجعل فرضه بعد استقرار فروض الأبدان وفروض الأموال ليكون استئناسهم بكل واحد من النوعين ذريعة إلى تسهيل ما جمع بين النوعين فكان في إيجابه تذكير ليوم الحشر بمفارقة المال والأهل وخضوع العزيز والذليل في الوقوف بين يديه واجتماع المطيع والعاصي في الرهبة منه والرغبة إليه وإقلاع أهل المعاصي عما اجترحوه وندم المذنبين على ما أسفلوه فقلّ من حج إلّا وأحدث توبة من ذنب وإقلاعا من معصية ولذلك قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « من علامة الحجة المبرورة « 1 » أن يكون صاحبها بعدها خيرا منه قبلها » وهذا صحيح لأن الندم على الذنوب مانع من الاقدام عليها والتوبة مكفرة لما سلف منها فإذا كف عما كان يقدم عليه أنبأ عن صحة توبته وصحة التوبة تقتضي قبول حجته ثم نبه بما يعاني فيه من مشاق السفر المؤدي إليه على موضع النعمة برفاهة « 2 » الإقامة وأنسة الأوطان ليحنو على من سلب هذه النعمة من أبناء السبيل ثم أعلم بمشاهدة حرمه الذي أنشأ منه دينه وبعث فيه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ثم بمشاهدة دار الهجرة التي أعز اللّه بها أهل طاعته وأذل بنصرة نبيه محمد عليه الصلاة والسلام أهل معصيته حتى خضع له عظماء المجبرين وتذلل له زعماء المتكبرين أنه لم ينتشر عن ذلك المكان المنقطع ولا قوي بعد الضعف البين حتى طبق الأرض شرقا وغربا إلّا بمعجزة ظاهرة ونصر عزيز . فاعتبر ألهمك اللّه الشكر ووفقك للتقوى إنعامه عليك فيما كلفك وإحسانه إليك فيما تعبدك فقد وكلتك إلى فطنتك وأحلتك على بصيرتك بعد أن كنت لك رائدا صدوقا وناصحا

--> ( 1 ) المبرورة : المقبولة . ( 2 ) برفاهة الإقامة : يقال : رفه عيشه رفاهة ، إذا رغد ولان وأخصب .