عامر النجار

29

في تاريخ الطب في الدولة الإسلامية

. . بيد أن الطب الإغريقى لم يقف في خطوات نموه - عند المبادئ العامة للتشخيص والتنبؤ بالأعراض ، والآراء الموجهة في الجراحة ، بل لقد عظمت ثروته بالاستكشافات العلمية الخالصة ، كالابتكارات في التشريح وعلم وظائف الأعضاء ، التي هي أساس التفكير الطبى الصحيح . وأنه إذا كانت حالة التأخر في المعارف الطبيعية - الكيمائية قد عاقت - بلا ريب - تقدم علم وظائف الأعضاء ، وإن يكن إلى حد معين فقط ، فإن الاستكشافات التي تمت في علم التشريح كانت - على النقيض من ذلك - ذات أهمية أساسية ، ولا سيما في العصر المجيد لمدرسة الإسكندرية . . . ويمكن أن نقرر أن الإغريق نجحوا في رؤية كل ما أمكنت ملاحظته قبل اختراع المجهر ( الميكروسكوب ) ، وأن الأخطاء التي وجدت عندهم كانت مقصورة على أمور محتملة وحسبنا أيضا أن نتصفح كتب جالينوس في علم التشريح ، والتي لا يوجد لدينا إلا ترجمة عربية لبعضها ، لنقف على دقة معلوماتها وغزارة مادتها في هذه الدائرة . . . ولقد حال بين أطباء عصر النهضة وبين إنصاف علماء التشريح العظام من الإغريق موقف هؤلاء الأطباء وعلى الأخص « فيزاليوس » في صراعه مع « جالينوس » وهي تلك المعارضة التي كانت ضرورة من ضرورات التقدم العلمي ، فإن ذلك جعلهم يغالون في بعض الأخطاء الحقيقية ، وساقهم إلى القسوة على أولئك العلماء الأغلاط التي كان من اليسير الوقوف على أصلها . . . وأخيرا ، فإن المناقشات التي كانت تنشب بين الأطباء الإغريق حول أسس لهم ، كالمناقشة التي احتدمت بين أصحاب العقيدة وأصحاب التجربة كانت فاتحة للمناقشات التي لا تزال مستمرة بين أطباء العصر الراهن ، والتي لا تختلف عنها اختلافا كبيرا . فبعض الأطباء يريد أن ينقاد لنتائج ترجع منطقيا إلى نهاية تستحق أن تكون أمرا مقررا ، أو على الأقل تستحق أن تعد دليلا مرشدا ، على حين لا يثق آخرون إلا بالتجربة