صبري القباني
6
الغذاء . . . لا الدواء
الإنساني ، لأنها عبارة عن جراثيم مستضعفة تحقن في الجسم ، فتحرّض عضوية الإنسان ووسائل دفاعه على تهيئة عناصره المضادة لها ، وتهيئه لملاقاة عدوه الأكبر ودحره . وبعبارة أخرى : تعوده على هذا النوع من الأعداء أو ذاك ، تماما كما تفعل الجيوش عند القيام بمناوراتها بالذخيرة الحية ، وبهذا تهيئ الكريات البيض مواد معاكسة جاهزة تجول في الدم دون انقطاع ، حتى إذا هاجمتها جحافل المرض وجدت « الميدان » ملغوما ، ومحصنا بصورة تمنع الجراثيم المهاجمة من الاستيطان ، فينجو الجسم من الوقوع في براثن المرض . وإذا كان الفقراء الهنود مشهورين بمقاومة أجسامهم للسموم ، فما ذاك إلا اعتمادا على ما زود الخالق به جسم المخلوق ، فحين يبتلع الفقير الهندي مقادير ضئيلة من السموم بصورة تدريجية منذ صغره ، تبادر الكريات البيض إلى إنتاج مواد مضادة ومعدّلة للسموم ، فإذا ما مضى على ذلك حين من الدهر ، غدا باستطاعة الفقير الهندي أن يبتلع مقادير مرتفعة من السموم ، يقاومها جسمه بسهولة لأن دمه بات مترعا بالمواد المعدّلة التي تحيل السموم إلى هباء ، فلا تؤذيه بشيء . * * * وهكذا . . كانت أجسام الأجيال الماضية من البشر أمتن وأقوى . . وأسنانهم أمضى وأثبت ، ومقاومتهم أسرع وأجدى . . مع أنهم لم يكونوا يملكون البنسلين ، ولا السلفا ، ولا التيتراسيكلين ، ولا ما شابهها من الصّادات ( مبيدات الجراثيم ) . كذلك لم يكن بين أيديهم سلاح وقائي دوائي فتاك ، ومع هذا استطاعوا أن يحققوا - بسواعدهم وحدها - أعمالا إنشائية جبارة يعجز أبناء هذا العصر عن الإتيان بمثلها دون الاستعانة بالروافع والآلات ، كالأهرام وبقية العجائب السبع . . وروائع المعابد والقصور والمنشآت . . فلما ذا حدث هذا التقهقر في القدرة الإنسانية على المقاومة الطبيعية ؟ السر في ذلك كامن في « العادة » . . فلقد كان الناس فيما مضى من أجيال يعتمدون على سواعدهم وأجسامهم ، وبعبارة أدق : كانوا يعتمدون على الطبيعة وحدها . . فيما يأكلون وما يشربون ، كما يعتمدون عليها في علاج أمراضهم ودرء الأخطار عن أجسامهم . . وعندما جاءت المدنية أفسدت الأجسام وحرمتها من وسائل الدفاع ، فالمطابخ الحديثة أعملت نيرانها في المواد الغذائية فخربتها وسلبتها عناصرها المفيدة ، لمجرد إرضاء الذوق والعين ، فأنقصت من مقاومة الأجسام . . والمطاحن الحديثة أخرجت لنا الخبز الأبيض متعة للناظرين وعبئا على معدات أبناء هذا الجيل ، فافتقرت أجسامهم إلى