صبري القباني
7
الغذاء . . . لا الدواء
عناصر القوة والنشاط الكامنة في قشور القمح ( النخالة ) فراحوا يتلمسونها على شكل حبوب وأشربة تحت اسم « فيتامينات صناعية » . والآلات فعلت الفعل نفسه في السكر ، فسلبته ما يحتوي عليه السكر الأحمر من معادن ومواد مقوية ، لاسترضاء الأذواق باللون الأبيض الناصع . وبعبارة موجزة : عني البشر « بالشكل قبل الأكل » كما تقول الأمثال الشعبية ، فخسروا بذلك جانبا غير ضئيل من الإمكانات الطبيعية التي زوّد اللّه بها غذاءهم . * * * لقد كان أجدادنا الأوائل يعيشون على الفطرة ، يأكلون عندما يجوعون ، ويصدون عن الطعام عندما يشعرون بالشبع ، ويقصرون غذاءهم على لون أو لونين مما يتوفر لهم من الطعام . ولما جاءت « المدنية » حملت معها أنواع المغريات والمقبّلات والتوابل والمهضمات والمشهيات لفتح الشهية عنوة ، فإذا المشروبات الروحية تثير كوامن الشهية في المعدة ، ومثلها الأطعمة المختلفة التي تحفل بها الموائد ، فيصيب الناس منها ما يحمل التخمة إلى البطن ، فيحيلها إلى مباءة فساد ومصدر تعفنات ، تبث السموم في الجسم ، فتهد كيانه وتقوض أركانه ، وبهذا نسينا الحكمة القائلة بأن الإنسان لا يعيش بما يأكل ، إنما بما يهضم ، كما تناسينا قول الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما ملأ ابن آدم وعاء شرّا من بطنه » . أو قول الكندي ، الطبيب العربي الشهير : « المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء . . » . أجل . . لقد تناسينا ذلك كله رغم ثقتنا وعلمنا بأن المعدة هي مصدر أكثر ما يصيبنا من أمراض وعلل ، وأنها إذا أتخمت غدت مصدر تعفنات وتفسخات تسبب بطئا في الاحتراق ، فتتكوّن من جراء ذلك الرمال والحصيّات ، كما يتكوّن « الهباب » في المداخن إذا لم يتم احتراق الوقود بصورة كاملة . وتسهم الأدهان - هي الأخرى - مع السموم الناجمة عن التخمرات المعوية لتعمل في الكبد تخريبا فيزداد الكولسترول « شمع المرة » في الدم ، وهي مادة شبيهة بالطين تترسب على جدر الشرايين فتسبب تصلبها ، وترفع بالتالي الضغط الدموي والذبحة الصدرية ( خناق الصدر ) والسكتة القلبية ، فإذا حاول الجسم طرح السموم خارجا مرّ بالمصفاة ( الكلى ) فأفسدها . وقد تنجو أجسامنا من شر الأمراض التي تسببها الجراثيم . ولكنها تقع - حتما - بين براثن الأمراض الاغتذائية بسبب تنوع الغذاء ، والكظة الطعامية ، وفساد المطبخ الحديث ، وأسلوب المطاحن ومعامل الأغذية الحديثة .