صبري القباني

447

الغذاء . . . لا الدواء

دخلت المعدة اتحدت مع الحوامض الموجودة فيها ، فكوّنت ملح الطعام العادي المسمى « كلورور الصوديوم » ، فينتشر منها غاز يفتح أبواب المعدة عنوة ، ويقود الطعام إلى الأمعاء قسرا ، وبصورة غير طبيعية . . فيحسب الإنسان إذ يزول عنه حس الامتلاء في معدته ، بأنه أحسن حالا ، وما علم أنه قد أساء لنفسه ولجهازه الهضمي إساءة بالغة ، ذلك أن تلك المواد تفقد المعدة حوامضها بتعديلها تلك الحوامض وتحويلها إياها إلى أملاح ، وبهذا تفقد المعدة عنصرها الفعال . وإذا كان الشخص الذي تناولها متقدما في السن ، أدى ذلك إلى القضاء نهائيا على قدرته الهضمية المعدية ، لأن المعدة تقل مفرزاتها من الحوامض على مر الزمن ، وهذا يسبب عرقلة الهضم فيشعر المتقدم في السن بانتفاخ في المعدة ، وثقل في البطن عقب كل طعام ، فيعمد إلى تناول ملعقة من « الكربونا » ظنا منه أنها هي العلاج المنشود فيكون أن تتحد الكربونا مع الحوامض القليلة المتبقية في المعدة ، مشكلة الملح ، فتقضي بذلك على العنصر الهاضم الفعال بصورة نهائية . هذا ، ومن طبيعة « البيكاربونات » أن تضعف الخمائر الهاضمة ، بل أن تقتلها أحيانا ، لأن الخمائر لا تستطيع التأثير على الأطعمة ، إلا إذا كان الوسط الذي توجد فيه حامضيا . ولما كان تناول « الكربونا » يفقد المعدة حوامضها ، فإنه يتسبب في إبطال مفعولها ، فيمر الطعام في المعدة « ترانزيت » دون أن ينال نصيبه من الهضم ، وقبل أن يعد كما يجب . ومع مرور الزمن ، يسير الطعام في حلقة مفرغة لا أول لها ولا آخر ، لأن نقص الحوامض المعدية وفقدانها وتعطّل الخمائر الهضمية عن عملها ، يؤدي إلى مرور الطعام من غير هضم ، فتحدث التلبكات المعدية ، والتخمرات المعوية ، والاضطرابات المختلفة في عملية الهضم كلها ، فيزداد شعور الإنسان بالانتفاخ نظرا لكثرة النفخات والغازات ، ويزداد حسّه بالثقل ، فإذا ما زاد المرء الطين بلة بتناول البيكاربونات ليتجشأ ويدفع ما تراكم في معدته من الطعام غير المهضوم ، كان ذلك ضغثا على إبالة كما يقولون ، لأنه يزيد الحالة سوءا ، والوضع تعقيدا وضررا . ومن المعروف أن الأطباء ، عادة ، يمنعون مرضاهم المصابين بأمراض في القلب والكلى وارتفاع الضغط من تناول الملح . ولا يدري المرضى - بالطبع - أن سبب منع الملح عنهم هو وجود مادة الصوديوم فيه ، فتراهم يطيعون رغبة الطبيب في عدم تناول الملح ، ولكنهم يتعاطون « الكربونا » للاستعانة بها على الهضم ، غير عالمين بأن « الصوديوم » الموجود في « البيكاربونات » هو نفسه الموجود في الملح ، وليس هناك أدنى اختلاف في تأثير كل منهما على الجسم . إن الإكثار من تناول « البيكاربونات » يسبب حدوث حالة تسمى « قلوية الدم » ، وأهم