صبري القباني

422

الغذاء . . . لا الدواء

من هذا المرض . وكان المرض ينتشر أيضا بين المواطنين في القرى والبلاد الفقيرة ، وخاصة أثناء الحروب ، فاتجهت الأنظار إلى الدعوة لتناول الفواكه والخضر كعلاج للمرض . وبرغم أن النتائج كانت مشجعة ، إلا أنهم ظلوا برغم ذلك لا يدركون أنه مرض الحفر ( الأسقربوط ) ، ولم يدركوا كذلك السر في استجابته للعلاج بتناول الخضر والفاكهة ، ولا السبب في أن تناول هذه الأغذية بالذات يقي من هذا المرض الوبيل ! وكان الأرز عند اليابانيين يمثل الغذاء الأساسي في طعامهم ، مثل القمح في بلادنا ، وكانوا يعيشون عيشة راضية وفي صحة نوعا ما . وعند بدء استعمال مضارب الأرز التجارية في القرن التاسع عشر ، بدأ وباء ( البري بري ) ينتشر في الصين وبلاد الشرق الأقصى ، وخاصة بين الطبقات الغنية التي يعتمد غذاؤها على الأرز الأبيض المقشور بينما سلمت الطبقات الفقيرة التي تأكل الأرز بقشره . وأعراض البري بري : هزال شديد يسمى بالهزال الأرزي . . والتهاب الأعصاب العديدة فلا يستطيع الإنسان المشي ، ويشكو من آلام في نواح عديدة . . ويصاب بالقيء وبالقحة وقلة الشهوة إلى الطعام وبآلام في الرأس ، ووهن معدي ، ثم تتورم أطرافه مع أرق وعرق غزير . وأول ما لفت النظر إلى هذا المرض سنة 1880 إذ كان يبلغ عدد المصابين به 323 في السنة من كل ألف بحار في الأسطول الياباني . . أي أن ثلث الرجال تقريبا كانوا يقاسون المرض . وبعد أن درس قائد الأسطول الياباني حياة البحارة البريطانيين اكتشف الأساس الخاطىء الذي بنيت عليه تغذية اليابانيين فكان أن عدله تبعا لما هو متبع بين البريطانيين ونتيجة لذلك اختفى المرض بسرعة . وبعد عشر سنين من ذلك اكتشف إيخمان وهو طبيب هولندي في جاوة ذلك الخطأ في تغذية اليابانيين فلاحظ أن بعضا من فراخ الدجاج كان يقاسي من مرض شبيه بمرض نزلاء المستشفيات المحلية . وبحث إيخمان في كيفية تغذية هذه الفراخ فوجد أن غذاءها كان مقتصرا على أرز مبشور فقط ، فلما أضاف إلى الأرز المادة السمراء المنزوعة شفيت الفراخ . وفي جزيرة الفليبين سنة 1905 استأصل جراح إميركي وباء البري بري في مدة لا تزيد على ستة أسابيع من بين الجنود المحليين وذلك بأن استبدل أرزهم المقشور بآخر غير مقشور ، وعندها اتضح له بأن المرض لم يكن متأتيا من الأرز نفسه بل من الإنسان نفسه الذي أهمل قشر الأرز كما أهملنا قشر القمح ( النخالة ) !