صبري القباني
421
الغذاء . . . لا الدواء
الشتاء لانقطاع صلتهم بالفاكهة والخضار واقتصار طعامهم على اللحوم ، أو في أيام الحروب والحصار وتتلخص الأعراض في تخلخل الأسنان ، وتورم اللئة ونزف الدم منها ، وانفجار الأوعية الدموية تحت الجلد ، وظهور واحات زرقاء تحت الجلد مما يدل على هشاشة الأوعية ، والخمول العام وانعدام الشهية . وكان القرن السادس عشر هو العصر الذهبي للأسفار والرحلات والاكتشافات الجديدة التي قام بها الملاحون المعروفون ، ولعل الكثيرين قرأوا بشغف جانبا من مغامراتهم ، ولكن قلة من الناس من يعرف أن « فاسكو دي جاما » فقد مائة رجل من مجموع بحارته الذين بلغ عددهم مائة وستين في رحلته حول رأس الرجاء الصالح ، وأن « ماجلان » فقد تسعة أعشار رجاله أثناء رحلته بسبب « إصابة اللثة بتورم والتهاب شديدين حالا بينهم وبين الطعام ، فماتوا جوعا » . لقد كان هؤلاء الرحالة يختارون من بين أقوى الرجال ، وأكثرهم شجاعة وإقداما ، وكانوا يتزودون بكميات من لحوم العجول المحفوظة أو المملحة ، ولحوم الخنازير ، والخبز أو البسكويت ، وكان يندر أن يأخذوا معهم فاكهة أو خضروات ، وإن تزودوا بها فبكميات قليلة . ولم يكن ينقضي شهران أو ثلاثة حتى يقع الملاحون فريسة للمرض ، ولا يلبثون أن يموتوا عدا قلة ضئيلة منهم . وقد ذهب الأطباء في تعليل أسباب هذا المرض مذاهب شتى فعزاه الأطباء الإنجليز إلى تأثير هواء البحر ، وتفلسف أحدهم مبررا هذا الرأي فقال : « إن البحر هو البيئة الطبيعية للأسماك والكائنات البحرية ، وأما البر فهو للإنسان . وكما أن السمك لا يستطيع أن يعيش بعيدا عن البحر ، فكذلك الإنسان لا يستطيع أن يعيش بعيدا عن البر ! » . وعزاه بعض الأطباء الهولنديين إلى « انسداد في الطحال » ، وعزاه آخرون إلى « زيادة في إفراز المرارة » . . الخ . وكانت وصفات العلاج متنوعة لا تخلو من الطرافة ، فالبعض كان يصف الملينات ، والبعض الآخر كان يرى أن السبب الرئيسي للمرض هو الخمول والكسل ، ولذلك كان ينصح المترددين عليه بالنشاط والعمل كعلاج له . وشاع في وقت من الأوقات علاج المرض بالخل وحامض الكبريتيك المخفف ، وقد اتفق أن سفينة إحدى الشركات التجارية تزودت قبل قيامها برحلتها ، بزجاجات من عصير الليمون المركّز ، وكان البحارة يتناولون منه بضع ملاعق يوميا ، فأتمت السفينة رحلتها وعادت إلى موطنها بعد بضعة أشهر ، دون أن يهلك أحد من بحارتها . فأخذ طبيب السفينة يدعو لاستعمال هذا العصير أثناء الرحلات . وما لبث أطباء آخرون أن أدركوا أن عصير البرتقال وتناول الخضر يقي البحارة