صبري القباني
355
الغذاء . . . لا الدواء
أما حليب الماعز فقد كان هدفا لنقد كثير فيه تجن كثير من قبل المختصين بأمراض الأطفال وعلماء التغذية . غير أن جميع هؤلاء لم يستطيعوا التشكيك في قيمته . ففي سنة 1916 قام « شلتما » و « غلازمان » و « زيزين » بلفت أنظار الهيئة الطبية إلى مرض خطير لوحظ وجوده لدى بعض الأطفال الذين تغذوا بلبن الماعز ، ويبدو واضحا أن هذا المرض ناجم عن فقر هذا الحليب بالنحاس فهو لا يحتوي من هذا المعدن إلا على نصف مقدار ما يحويه حليب البقر . ويرى الدكتور ليزني أن الخطر الأكبر الذي يجابه الأطفال نتيجة تغذيتهم بحليب الماعز هو إعطاؤهم إياه دون احتراز ، أي غير معقم أو ناقص التعقيم ، لأن الماعز في بلاد حوض البحر المتوسط هو الناقل الوحيد للحمى المالطية ، وحليب الماعز سهل الهضم جدا . وفي سنة 1885 أقام الدكتور « بارد » في مؤسسة الأطفال بباريس نوعا من محلبة ( Lactarium ) فريدة في نوعها : فقد جمع فيها اثنتي عشرة أتانا ( حمارة ) كانت تعطي حليبها إلى الأطفال مباشرة ، ولم يطل الأمر بالرضع حتى تعلموا كيف يرضعون من ثدي الأتان . واستمرت التجربة عشر سنوات إلى أن توقفت بسبب إفلاس المشروع . وقد قام أخصائيون بالإطفال بدراسات جدية عديدة على حليب الحمير فاستخلصوا أن هذا الحليب يفيد الأطفال هزيلي الأجسام كثيرا . وجدير بالذكر بأن « فرنسوا الأول » شفي من مرض مجهول كان يستولي على عقله استيلاء كاملا . . على حد تعبيرهم في عصره ، بفضل علاج مكون من حليب الحمير ، وهذا الحليب لذيذ الطعم وسهل الهضم جدا ولكن لا بد من التأكيد من خلوه من الجراثيم . وقد استعمل حليب الخيل الشبيه بحليب الحمير ، في تغذية الرضع من ضعيفي البنية وهزيلي الأجسام . والفرس لا تصاب بالسل . ورب قائل يقول إن هذين النوعين من الحليب يعتبران شاذين ، لا سيما في وقتنا هذا ، ولكن متى علمنا أنهما يستطيعان تأدية خدمات جليلة في حالات شاذة أيضا ، زال العجب . * * * وأكثر أنواع الحليب شيوعا ، وأقلها كلفة ، وأسهلها مراقبة من جميع النواحي ، هو حليب البقر ، بعد حليب المرأة طبعا . وحليب البقر يستحق أن يدرس بعناية لإيفائه حقه كاملا .