صبري القباني
279
الغذاء . . . لا الدواء
القهوة Le cafe يمكن اعتبار القهوة مشروبا عالميا ليس له منازع ، فإني تجولت في أرجاء الدنيا من أقاصي مشرقها إلى أقاصي مغربها تجد القهوة متربعة على عرش المشروبات العالمية ، يتناولها المتقدمون في مدنيتهم ، والمغرقون في تأخرهم ، كما يتناولها الأغنياء والفقراء في آن واحد ، حتى بات لاحتسائها ، وطرق تقديمها ، تقاليد عريقة تتكلف - أحيانا - من المال شيئا غير قليل ، ومن الجهد والتعقيد جانبا غير ضئيل . وقد يبدو لنا هذا الانتشار الواسع غريبا بالنسبة للقهوة ، فإن عهد البشر بها لا يزيد عن أربعمائة سنة ، يعتقد أنها بدأت في الحبشة ثم انتقلت شجرة القهوة إلى اليمن ، ثم سيلان وجاوه والبرازيل ، وهي البلاد التي تعتبر القهوة علما عليها . وفي رواية أخرى جاء أن راعيا كان يرعى غنمه في ناحية اليمن فوجدها نشيطة تسعى وراء رزقها دون كلل أو ملل كلما ساقها إلى هذه البقعة وأكلت مما يهشه عليها من شجرة القهوة ، فجرب أكلها فلم يستسغه ، ثم جرّب مغليها فدب النشاط في جسده . . وكان هذا أول اكتشاف للقهوة . ويقول لنا تاريخ القهوة ، إن أول « مقهى » في التاريخ ، افتتح في مدينة القسطنطينية ، في عهد السلطان سليمان الثاني . وفي سنة 1660 انتقلت منها إلى باريس فلندن فسائر أرجاء الدنيا ، حيث تعتبر « منتديات » تناول القهوة - المسماة مقاهي - أماكن عامة يرتادها الراغبون في تزجية الفراغ وقتل الوقت ، مع احتساء القهوة وممارسة إحدى ألعاب التسلية . . أما في أول العهد بافتتاح المقاهي ، فكان ارتيادها مقتصرا على الأدباء والفلاسفة والعلماء حتى أطلق عليها لقب « مدارس العلماء » ، وأضفى على القهوة ذاتها شهرة واسعة إذ ألف « باخ » مسرحيته المشهورة التي كتب عنها الفيلسوفان « دوديه » و « راسين » وغيرهما .