صادق عبد الرضا علي
48
نهج البلاغة والطب الحديث
« ثمّ أخرجت من مقرّك إلى دار لم تشهدها ولم تعرف سبل منافعها » الإمام عليه السّلام في هذه الفقرة من كلامه المبارك يقول : أخرجت ، ولم يقل خرجت ، أي أنك أيها المخلوق لم تخرج بإرادتك ، وإنما أخرجتك الإرادة الإلهية الحكيمة التي رعتك حتى اكتملت أعضاؤك وأصبحت قادرا على مواجهة الحياة الجديدة « حتى إذا كمل خلقه ، واستحكم بدنه ، وقوى أديمه على مباشرة الهواء ، وبصره على ملاقاة الضياء ، هاج الطلق بأمه فأزعجه أشد الإزعاج وأعنفه حتى يولد ، فإذا ولد صرف ذلك الدم الذي كان يغذيه من دم أمه إلى ثديها ، وانقلب الطعم واللون إلى ضرب آخر من الغذاء ، وهو أشد موافقة للمولود من الدم ، فيوافيه في وقت حاجته إليه » « 1 » . الحياة الجديدة ( حياة الدنيا ) لم يتصورها الجنين حيث الرغد والراحة والدفء والحنان والأمان والغذاء السهل والدائم وهو قابع في بطن إمه . دنيا تتطلب منه الحركة والجهد ، وطلب الغذاء والعناية والحماية والتنظيف ، ومواجة المشاكل والأخطار والأمراض . دنيا يعيش فيها الطفل وهو حيران ولهان ، يتعرض فيها كل ساعة للنور والأصوات والضوضاء ، وتقلبات الجو ، وطلب الغذاء الذي يجبره على الصراخ عند حاجته اليه ؛ وإذا أصيب بمرض ما فلا يعرف إلّا البكاء وعدم النوم ، وتحريك اليدين والرجلين ، بطريقة يعبر فيها عن آلامه ومشاعره في مواجهة تلك الحالات .
--> ( 1 ) توحيد المفضل للإمام الصادق عليه السّلام ص 48 .