صادق عبد الرضا علي
34
نهج البلاغة والطب الحديث
لكن وللأسف الشديد ولأسباب اجتماعية وسياسية وعلمية لم يجد الإمام الأجواء المناسبة والملائمة للتصريح بتلك العلوم وبثها بين الناس ، وذلك لعدم وجود الاستعداد العقلي والعلمي لاستيعاب ودرك وتقبّل تلك العلوم ، لأنّ المنطقة كانت تعيش حياة بدائية ، لا تستطيع من خلالها تقبل العلوم والحقائق التي كان الإمام يحملها خصوصا وانها كثيرة ومعقدة ويصعب على عقولهم المحدودة التسليم بها أو تصديقها ، وفي عصرنا الحاضر كانت بعض الحقائق والعلوم غير مقبولة لدى أغلب الناس المتعلمين ممن يملكون الأجهزة الحديثة والإمكانيات المادية ، فكيف بأولئك الناس الذين عاشوا ذلك العصر وأفنوا حياتهم بالزراعة والفروسية وبعض الصناعات اليدوية البسيطة . لتلك الأسباب وتأسيا بقول الرسول الكريم صلّى اللّه عليه وآله : « نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم » كان الإمام علي عليه السّلام يعرض القضايا الطبية بصورة شفافة ومبسّطة لتكون مقبولة وقريبة إلى أذهان الناس الذين عاصرهم ، ولو أباح الإمام بما عنده من العلوم الطبية التي يعرفها والتي لا تستوعبها آلاف الكتب والتي ستعرف بالمستقبل نتيجة التقدم العلمي والبحث والدراسة لوقع الناس في حيرة وتخبط قد يتزعزع معه الإيمان أو قد تصل بهم الأمور إلى اتهام الإمام بطرح قضايا بعيدة عن العقل والواقع ، لذا قال : « بل اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطّويّ البعيدة » « 1 » . لذلك كان الإمام يطرح القضايا الطبية بصورة مبسطة قريبة إلى واقع الناس وادراكهم الذهني بالرغم من قوله وفي مناسبات عديدة : « سلوني قبل أن تفقدوني لولا آية في كتاب اللّه : يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ
--> ( 1 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 1 ص 213 .