محسن عقيل

582

طب الإمام الصادق ( ع )

غائصة في بحر الهيولى ، ولا بد أن تصير عقلا بالتدريج . وأن نفس الطفل في أولها كصحيفة بيضاء لم ينقش عليها شيء وكلما تحمله إليها الحواس الخمس ، تتناوله القوة المتخيلة متجمعة وهي في مقدم الدماغ ثم تدفعه إلى القوة المفكرة ، ومسكنها وسط الدماغ فتميز بعضها من بعض وتعرف الحق من الباطل ، ثم تؤديه إلى الحافظة التي يكون مجراها مؤخر الدماغ . أما القوة الناطقة : فهي التي تعبر عما في النفس للسامعين بالألفاظ ، أو أنها تقيده بصناعة الكتابة ، فتكون للنفس خمس حواس باطنة تقابل الخمس الظاهرة . إلى غيرها من الآراء المتقاربة تارة والمتباعدة تارة أخرى . أما علماء النفس في هذا العصر فقد اختلفوا أيضا في تعريفها اختلافا كثيرا حتى قال بعض المتأخرين إن البحث بعد لم يهتد إلى معرفة كنهها ، ولما يجد الباحث المدقق تعريفا شافيا . فهي لغة الروح يقال خرجت نفسه أي فاضت روحه ، وتستعمل بمعنى الدم كما تستعمل بمعنى الجسد أيضا ، وتأتي أيضا للتأكيد فيقال هو نفسه أي عينه إلى غيرها من المعاني . أما في عرف العلماء والفنيين فهم كذلك انقسموا في تعريفها إلى أقسام فمنهم من عرفها بأنها هي ذلك النشاط الذي يمتاز به الكائن الحي ويسيطر على كل حركاته ومنهم من فسرها بأنها التفاعل الذي يظهر عند وجود الكائن الحي مع غيره من الأحياء الأخرى ومنهم من قال إنها القوة الخفية الموجودة في كل كائن حي والتي تظل كامنة فيه فيحيا بها وإن أصابها ما يذهبها فقد فقد حياته . وبعضهم فسر نفسية المرء بأنها شخصيته التي هي كلما يعرف عنه ، أو كلما هو مشهور به بين رفاقه . وفريق آخر عرفها بأنها وظيفة العقل والجهاز العصبي للإنسان . وقصارى القول إن النفس لم يعرف حتى الآن كنهها بالضبط ، بل لم يعرف حتى موقعها من الإنسان ، وكلما يعرف عنها هو ما يلاحظ على المرء من حركات وسكنات ونشاط حيوي سواء أكان ذلك خاصا به أو بواسطة احتكاكه بغيره من الكائنات فالنفس السليمة يرى صاحبها وقد سار سيرا في الحياة في طريق سوى طبيعي ليس به شذوذ ، والنفس السقيمة يرى صاحبها وقد سار سيرا شاذا معوجا غير مألوف . أقول : إن الذي ظهر من مجموع الأقوال المختلفة والآراء المتفاوتة قديما وحديثا هو : أن النفس هي تلك الروح التي حيرت العقول وأقلقت الأفكار من الفلاسفة والحكماء ، ولم يصلوا إلى شيء من معرفتها بعد البحوث المتواصلة والتحقيقات المتنوعة ، لذلك فقد قالوا بعد العجز : إن