محمد العربي الخطابي

408

الأغذية والأدوية عند مؤلفي الغرب الإسلامي

ينبغي أن توضع هاهنا وضعا إلى أن نبيّن ذلك في الجزء العلاجيّ « 13 » ، ولهذا ما يقول جالينوس : « إن المعرفة بتركيب الأدوية إنّما تكون بعد المعرفة بحيلة البرء » ، ولعلّ الأمر في ذلك بالعكس ، فكما أنّه ينبغي أن تكون عند المعالجة قوى الأدوية عتيدة عندنا متى احتجنا إليها كان الأمر في وجه التركيب وإلا لم يمكنّا أن نعالج ، فإما أن نجعل صناعة التركيب جزءا من صناعة العلاج فذلك ممتنع أو يتقدّم أولا بعد أن نصادر « 14 » في تعلّمها على ما يحتاج إليه مما يتبيّن في الجزء العلاجي ، وقد خرجنا عمّا كنّا بسبيله فنرجع فنقول : وأما من حيث الورم في عضو رئيس جمّ المنفعة فيقتضي توفير قوته ، وذلك لا يكون بالقابض من الدواء وكأنّ هذا راجع إلى اختلاف طبيعة المرض وطبيعة العضو . ومثال الحاجة من وضع العضو أنّا إذا أردنا أن نوصل الجوهر القابض إلى عمق البدن خلطنا معه ما فيه لطافة لبعد موضعه ليكون الجوهر القابض كالجناح . ومن هذا الجنس خلطهم قليل الذّراريح « 15 » في أدوية المثانة ، والزّعفران في أدوية القلب ، ومن هذا النوع أيضا خلطهم الشمع في المراهم التي توضع على الأعضاء التي من خارج الجسم ، فإنّ تلك الأعضاء يقتضي موضعها ألّا يستقرّ فيها الدواء إن لم تكن في هيولى تلك الصفة . وأما مثال الحاجة إلى التّركيب من جهة مشاركة العضو كالمرض الحارّ في فم المعدة ، فإنّه ليس ينبغي أن يفرط في تبريده لمشاركته العضو البارد الذي هو الدّماغ . فهذه سبع دستورات يعمل عليها في تركيب الأدوية المختلفة إذا لم يكن في الدواء المفرد ما يحتاج إليه من القوى .

--> ( 13 ) يقصد الجزء الأخير من كتابه « الكليّات » المتعلّق بتشخيص الأمراض وشفائها ، وهو الذي أشار إليه من قبل بحيلة البرء . ( 14 ) المصادرة عندهم هي قضية يطلب التسليم بها عند تعذر البرهان . ( 15 ) الذراريح جمع ذراح : وقد شرحنا معناها في آخر هذا الكتاب .