محمد العربي الخطابي

406

الأغذية والأدوية عند مؤلفي الغرب الإسلامي

مثال الاختلاف بين السبب والمرض : الحمّيات العفونية فإنّها من حيث هي حارّة يابسة تحتاج إلى دواء مرطّب ، ومن حيث هي خلط عفونيّ تحتاج إلى ما يجفّفه ويلطّفه ، وفي هذا الجنس يدخل الرّدع والتّحليل الذي يستعمل في زمان تزيّد الأورام ، فالطّبيب في مثل هذا الوضع يضطرّ أن يخلط الدواء المردع مع المحلّل . وقد يلحق شكّ في فعل الأدوية المركّبة من قوى متضادّة وهو كيف يمكن أن يلفى لها الفعلان معا في بدن الإنسان ، فإنّها إن كانت متكافئة قاوم كلّ واحد منهما صاحبه فلم يكن لها تأثير في بدن الإنسان وكانت معتدلة ، وإن كان أحدهما أقوى فعل الأقوى فعله ولم يحسّ هنالك للأضعف فعل ، وهذا الشكّ إنّما يلحقهم في القوى الثّواني فأما في الأوّل فلا ، لأنّهم يرون أنّا متى خلطنا درهما من بابونج مع درهم من ورد كان الدواء معتدلا في كيفياته الأوّل ويرون مع هذا أنه يكون فيه ردع وتحليل ؛ والأمر في ذلك ينبغي أن يكون واحدا كما قلنا ، فكما نقول إن هذا الدواء معتدل في كيفياته الأوّل - بمعنى أنّه يفعل في البدن حرارة متوسطة بين الحرارة التي في الدرجة الأولى والبرودة التي فيها - كذلك ينبغي أن يفهم الأمر في القوى الثواني فيكون الدرهم من البابونج - مثلا - مع الدرهم من الورد يفعل ردعا وتحليلا متوسّطا بين تحليل البابونج وردع الورد ، وكأن هذا الإهمال إنّما وقع من جهة أنّهم لم يدرجوا القوى الثّواني حتى يشار منها إلى ما هو معتدل أو خارج عن الاعتدال . وهذا الفعل الذي يكون للدواء المركّب هو واحد إما بالمزاج الصّناعي وإما بالمزاج الطبيعي ، وليس هو كثير حتى نحتاج أن نقول كيف يصنع الدواء الواحد كيفيتين متضادّتين في موضوع [ موضع ] واحد ويجعل ذلك كالحال في [ أعضاء ] الحسّ مع محسوساتها فإنّها تنفعل عن المتضادّين معا بواسطة موضوع [ موضع ] واحد ، مثال ذلك : أنه يدرك الأبيض والأسود معا بالرطوبة الجليدية « 10 » ويدرك الحارّ والبارد في جميع أجسامنا على وتيرة واحدة إذا اتّفق أن غمسنا بعض أعضائنا في ماء بارد وبعضها في حارّ - كما نسمع جالينوس يقوله - فإن هذا لا يغني في حلّ هذا الشكّ إذا فرض أن الدواء المركّب له فعلان متضادّان ، وذلك أنّ الحواسّ إنّما عرض لها ذلك من قبل أنها ليست هيولانية ، وقد أعطي السبب في هذا في غير هذا العلم . وأما الانفعالات التي يقبل الجسم

--> ( 10 ) يقصد الرطوبة التي في العين .