محمد العربي الخطابي

398

الأغذية والأدوية عند مؤلفي الغرب الإسلامي

يابس ، وكأنّ الغلظ واللطافة واللّين والصلابة إنّما تدلّ على القوى المنفعلة في الشيء التي هي الرطوبة واليبوسة لا على القوى الفاعلة . وأما التكاثف والتخلخل فإنّه يقال على وجهين : أحدهما - وهو الذي ينطلق عليه هذا الاسم - أحقّ ذلك على زيادة الكمية في نفسها ونقصانها كما نرى العصير يتخلخل في الدّنان المطموسة ويصير إلى كميّة أعظم حتى إنّه ربّما شقّ الدّنان ، ونرى أيضا الأبخرة تتكاثف في ذاتها فتعود إلى مقدار أصغر ممّا كانت وذلك من غير أن يخرج من المتكاثف شيء أو يزيد في المتخلخل شيء . والسبب في هذا أنّ الهواء أعظم مقدارا من الماء والأرض ، فمهما قرب الشيء من طبيعة الهواء كان أعظم مقدارا ومتى قرب من طبيعة الماء والأرض كان أصغر مقدارا ، ولذلك كانت الأشياء المتخلخلة هوائية - أي حارّة رطبة - والمتكاثفة باردة يابسة أو باردة رطبة ، ولكون التخلخل يكثر في الشيء الأجزاء الهوائية استعمل في خبازة الخبز التّخمير ليسهل بذلك هضمه ، لأن الجوهر الهوائيّ أسهل انفعالا من جهة ما هو رطب . وقد قيل إن الرطوبة سهلة الانحصار من غيرها بضدّ ما هي عليها اليبوسة ، أعني أنها عسرة الانحصار من غيرها ، ولذلك كانت عسيرة الهضم . وأما الشّيء الآخر الذي يطلق عليه اسم التخلخل والتكاثف فهي الأشياء التي لها مسامّ واسعة أو مسامّ ضيّقة ، فإن التي لها مسامّ واسعة قد يطلق عليها اسم التخلخل والتي لها مسامّ ضيّقة اسم التكاثف ، والاعتبار في طبيعة هذه يكون في نفس جرمها لا في ضيق مسامّها أو سعتها ، وإن كان الشيء إذا كانت مسامّه واسعة قد تعين على هضمه من جهة أنّ ذا المسامّ الواسعة يسهل تفتّته وانقسامه وذا المسامّ الضيّقة بخلاف هذا . وأما الأشياء المحترقة فهي - ضرورة - إما نارية كالكباريت ، وإما هوائية كالتّبن ، ولذلك كانت هذه سريعة الاستحالة في الهضم وذلك فيما شأنه منها أن يرد الأبدان ، لكن ينبغي - كما يقول جالينوس - إذا أريد أن يكون هذا السّبار صحيحا أن يشرط في الدواء التّكاثف واللّطافة ، وذلك أنّ الشيء قد يتّفق فيه أن يكون غليظا متخلخلا - أعني ذا مسامّ كبار - فينفذ النّار في تلك المسامّ ويتمكّن من إحراقه . وليس يمكن في الحرارة الغريزية أن تفعل ذلك لرطوبتها وضعفها عن حرارة النّار ، وذلك أن سهولة مثل هذا إلى الاحتراق هو للشيء بضرب من العرض - أي من قبل مسامّه كالحال في القصب ، وأما ما كان كذلك في نفس جوهره فقياس النّار في ذلك هو قياس الحارّ الغريزيّ كالحال في قصب الذريرة .