محمد العربي الخطابي

394

الأغذية والأدوية عند مؤلفي الغرب الإسلامي

ارتضنا في هذه الأشياء ورمنا أن نعطي فيها الوجود والسبب معا عسر ذلك ، وكان سهلا علينا - إذا شهدت التجربة بشيء ما - أن نعطي السبب في ذلك . وبالجملة فبهذا النظر تكون هذه الصناعة قياسية ، ويمكننا أن ننتقل من دواء إلى دواء ومن غذاء إلى غذاء عندما يقصر عما قصدنا منه في المعالجة ، وأما من ليس عنده من معرفة الأدوية إلا التّجربة فقط فليس يمكنه ذلك . وقد أطال جالينوس في الفرق بين القوّتين إلا أنّ الأدلّة والسّبارات « 7 » التي أعطاها جالينوس ومن تبعه من الأطبّاء في ذلك نزرة بالإضافة إلى ما يمكن أن يقال فيها هاهنا ، وذلك أنهم إنّما اقتصروا من معرفة طبائع الأدوية من جهة الطّعوم والروائح وسرعة الاستحالة إلى النّار فقط ، وهذه كلّها إذا جعلت دلائل فإنها - ضرورة - أخصّ من الطبائع التي تلزم عنها هذه الأفعال في بدن الإنسان ، والدلائل الذاتية فينبغي أن تكون مساوية للطبائع الدالّة عليها وحينئذ يمكن أن يترقّى من المتأخّر إلى المتقدّم ثم من المتقدّم إلى المتأخر المطلوب ، وبهذا يكمل هذا النظر وإلا فمتى لم يكن نظر الناظر في هذه الصناعة على هذه الجهة لم تكن عنده طبيعة الدواء الحارّ - بما هو حارّ - محصّلة ولا البارد بما هو بارد . مثال ذلك أن الطبيب إذا كان عنده أنّ الدواء الحارّ إنّما هو الدواء الحرّيف الطّعم والمرّ الطّعم والمالح الطّعم وأنّ الطبيعة التي تفعل الحرارة هي هذه الطبيعة فإنّما علم من طبائع الأشياء الحارّة طبائع ما فيكون - ضرورة - نظره في هذه الصناعة ناقصا لأن هاهنا أشياء حارّة ليس طعومها حرّيفة ولا مرّة كلحوم كثير من الحيوان مثل العصافير والفراخ وغير ذلك ، لأن الأغذية والأدوية بالجملة هي إما نبات وإما حيوان وإما معدن أو جسم معدنيّ ، والطعم إنّما يوجد متميّزا في النّبات . فإذا أريد أن يكون القول في هذا ضافيا فينبغي أن نرسم ما طبيعة الدواء الحارّ والدواء البارد واليابس والرّطب ثم نروم بعد ذلك إحصاء الأشياء التي تدلّ على هذه الطبائع ، فلننزل أن الدواء الحارّ هو الذي أغلب أجزائه الأجزاء الحارّة ، والبارد هو الذي أغلب أجزائه الأجزاء الباردة ، وكذلك الأمر في الدواء اليابس والرّطب ، وإذا كان ذلك كذلك فلننظر في الدلائل التي منها يمكن أن يوقف على هذه المقادير من أمزجة الأدوية فنقول :

--> ( 7 ) السّبر في اصطلاح الأصوليين حصر الأوصاف في الأصل المقيس عليه وإلغاء بعضها ليتعيّن الباقي للعلّية ؛ وإنما يريد ابن رشد بالسبارات معرفة العلّة بالمقايسة .