محمد العربي الخطابي
375
الأغذية والأدوية عند مؤلفي الغرب الإسلامي
محسوس بالإضافة إلى كمية الأجزاء المتحلّلة من جسمه لم يحدث هنالك حالة غريبة في البدن ، وأما لو تناول الإنسان من الدواء مقدار ما يتناول من الغذاء لأحدث في جسمه حالة غريبة ، ضرورة . على أنه يعسر وجود دواء معتدل في جميع الأفعال ، وعلى هذا المعنى ينبغي أن تفهم أن قولنا في الدواء إنه حارّ أو بارد أو رطب أو يابس ، وقولنا ذلك في الغذاء أنه باشتراك الاسم ، فإنّه ليس قولنا في الخمر إنها حارّة في الدرجة الثانية وقولنا ذلك في الزعفران - مثلا - بمعنى واحد . [ الخروج عن الاعتدال ] : وإذ قد تبيّن ما هو الغذاء المعتدل والدواء المعتدل وكيف فعلهما في الأبدان فقد نقدر أن نقف من ذلك على الجهة التي ينسب إليها الخروج عن الاعتدال وذلك في الكيفيات الأوّل - أعني كيف يسخّن الدواء ويبرّد ويرطّب وييبّس - ذلك أنّ الدواء الذي من شأنه أن يستحيل إلى كيلوس أحرّ من الكيلوس المعتدل يحرّ المعدة أكثر مما ينبغي ، والدم الذي يتولّد من مثل هذا الكيلوس يكون أحرّ ممّا ينبغي ، والحرارة الغريزية التي مادّتها الدم تكون - ضرورة - أحرّ مما ينبغي ، والرطوبة الأصلية التي يستحيل إليها الدم في الأعضاء الأصلية تكون أحرّ ممّا ينبغي فتستحرّ بذلك - ضرورة - جميع أعضاء البدن . وأما الدّواء البارد فإنّما يبرّد بأن يستحيل في مواضع الهضم إلى حرارة البدن حتّى يكون الكيلوس المتولّد عنه في المعدة أبرد ممّا ينبغي ، وكذلك الدم والحارّ الغريزي والرطوبة التي في الأعضاء حتى الأعضاء أنفسها ، وهكذا أيضا ينبغي أن نفهم الأمر في الرطب واليابس . والأطبّاء لما تخطّروا فعل الأدوية في الأبدان قرب إعطاء السبب في كيف يسخّن البدن وعسر عليهم القول في وجه تبريده حتّى نسمع جالينوس يقول : إنّ ذلك يكون بتقسّم الدواء إلى أجزاء صغار فقط ، ولو كان الدواء البارد ليس يحتاج في تدبيره إلى أكثر من أن ينقسم فقط لكان باردا بالفعل ، وإنّما هذا شيء يشتمل الدواء الحارّ كما يشتمل البارد ، وذلك أنّ الأشياء التي من شأنها أن تستحيل إذا انقسمت إلى أجزاء صغار كانت أسرع لقبول الاستحالة ، والدواء وإن كان مستحيلا عن البدن فليس ينكر أن يكون البدن مع أنّه يحيله يستحيل عنه أيضا ، وإذا كان هذا موجودا في الغذاء فكم