محمد العربي الخطابي

323

الأغذية والأدوية عند مؤلفي الغرب الإسلامي

القول في العلّة التي دعت الأوائل إلى إبدال العقاقير وكيف حتى بلغوا إلى معرفة ذلك قال المؤلف : لم تذهب الأوائل إلى إبدال العقاقير إلا لضرورة فقدان بعضها في بعض البلدان أو فقدان أكثرها في زمان دون زمان أو لفساد الأدوية في نفسها لأنا ربّما وجدنا عقيرا قد ذهبت قوته وفسد مزاجه إما بأنه قديم متسوّس وإما بأنه قد استخرجت قوته في الماء بالطبخ مثل ما يصنع كثيرا بالراوند الصيني وبكثير من الأفاويه ، وذلك أنّ من الناس من يستخرج قواها في الماء بالطّبخ ويستعمل طبيخها في الأشربة والمعجونات ويبيع أجراما لا فائدة فيها . وسأذكر صفة امتحانها داخل الجدول في مواضع كثيرة ، وإما بأنّه قد غطس في البحر فيغسله الماء المالح فتذهب عنه قوة الطبيعة ويكتسب قوة عرضية من المياه المالحة ، فهذه علل جمّة تدعو الضرورة بسببها إلى الإبدال منها ، ولولا ذلك لتوقّف العلاج وتعطّلت النّسخ . وقد ذكر جالينوس أنّ طبيبا بالإسكندرية طلب سراج القطرب لامرأة قد نزفت ولم يصبه في ذلك الموضع ، فلولا أنه استعمل الزاج من ساعته بدلا منه لكانت المرأة قد هلكت ، فكان هذا أعظم الأسباب إلى أن نذكر إبدال كثير من الأدوية التي تكثر الحاجة إلى استعمالها في علاج الأمراض وتدعو الضرورة إلى تصريفها في دفع الأعراض . قال المؤلف : إن الأوائل لما دعتهم الضرورة إلى إبدال العقاقير للوجوه المذكورة آنفا نظروا إلى الأدوية المفردة فوجدوها متعلّقة بالأربع الكيفيات - أعني الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة - وان ليس لواحد منها محيد منها ولا قياس دونها فقالوا إن الدواء إذا عدم جعلنا عوضه دواء ثانيا في تلك الكيفية بعينها من الحرارة أو البرودة أو اليبوسة أو الرطوبة وفي تلك الدرجة بعينها أيضا ، فلما أمعنوا النظر وأجهدوا الفكر رأوا أن هذه القسمة غير صحيحة لأن كثيرا من الأدوية قد تكون في درجة ما من الحرارة أو الرطوبة أو اليبوسة وكلّ واحد منها يخالف صاحبه في أعماله من قبل خواصّه الكائنة فيه ، ولولا ذلك لكان فعل جميع الأشياء واحدا ، ونحن نجد التّربد حارا وهو يسهل البلغم وليس الأمر كذلك في السقمونيا لأنا نجد السقمونيا في حرارة التّربد وفي يبسه أيضا وهي تسهل المرّة الصفراء ، فلما وجدوا فيها هذا الخلاف وطبيعتها واحدة علموا أن فعلها بخاصّة في جواهرها ، ولو كانت الأدوية إنما تفعل بطبائعها دون خواصها التي تخفى على العقل ولا