محمد العربي الخطابي
318
الأغذية والأدوية عند مؤلفي الغرب الإسلامي
واعلم أنّ كلّ عضو من الأعضاء ما كبر منها وما صغر لا بدّ له من هذه القوى الأربع وقد شرحتها شرحا كافيا في رسالة التبيين والترتيب ، فإذا كان لا بد لكلّ عضو من أعضاء البدن من هذه القوى الأربع ليتمّ ذلك العضو بها فعله من جذب وحصر وهضم ودفع ، وكلّ واحدة من هذه القوى لا بد لها من مادة لطيفة تقيم هذه القوى على أحوالها الطبيعية فليست تبلغ من لطفها إلى تغيير الدم في حالة من الأحوال لأنّ الذي يجول منها على جميع البدن لهذه الضّرورات إنما هو ألطفها وأرقّها وأسلمها من الآفات المذمومة ، والمحصور منها في أكياسها أغلظها وأثقلها وأشدّها حرافة وحموضة وأكثرها مرارة وحدّة . وأما قولهم أيضا : إن احتجنا إلى استفراغ البدن من جميع الأخلاط أخرجنا من الدم على حسب الحاجة والقوّة بالفصد إذ الأخلاط كلّها محمولة فيه وخارجة بخروجه فلا يكون ذلك إلا في فصل الربيع فقط لأنّ هذا الفصل معتدل بين جميع الكيفيات لا تغلب فيه كيفية على كيفية ، وأن يكون البدن أيضا لم تظهر عليه غلبة أحد الأستقصات الثلاثة - أعني المرّة الصّفراء والمرّة السوداء والبلغم - فحينئذ يجب إرسال الدم على حسب الحاجة والقوة والسنّ فيخرج مع خروجه من جميع الأخلاط بقدر ما ينتفع به البدن ، فإن مال البدن إلى طبيعة خلط من الأخلاط جعلنا أكثر غايتها وقصدنا استفراغ ذلك الخلط الذي مال إليه البدن . واعلم أنّ الأدوية المسهلة تسهل أولا من الخلط الذي يقصد إخراجه ما رقّ منه ثم كذلك تخرج ما هو أغلظ إلى أن يتمّ فعل ذلك الدواء في غير ذلك الخلط إن شاء اللّه تعالى . ولجالينوس في قوة الأدوية المسهلة فصل قال فيه : إنّ الأدوية التي شأنها تنقية المرّة السوداء تسهل منذ أول الأمر المرار الأسود ، وكذلك المسهلة للصفراء والبلغم لأنّ الفصل بين كلّ ما يسهله كلّ واحد منها وبين الآخر هو من أنّ الإسهال لا يكون إلا لما رقّ من كلّ خلط ثم بعده لما هو أغلظ ، وذلك أنّ كلّ دواء يسهل خلطا ما إنّما يجذب الأخلاط . وأما الأدوية التي تستفرغ الدم من الدم بقوة جذبها له من العروق المتّصلة بالمعدة والأمعاء دون سائر الأخلاط فهي أدوية قتّالة ليس يجب استعمالها في شيء من الأشياء ، ولذلك أشفق المتقدمون على ذكرها في كتب الطبّ ليلّا يبلغ بها الأشرار إلى قتل من يريدون قتله .