محمد العربي الخطابي

319

الأغذية والأدوية عند مؤلفي الغرب الإسلامي

وقال جالينوس : إني كنت في بلاد برانيّ في بيومة [ بيولة ؟ ] وأنا صبيّ وسمعت بها عن رجل وجد دواء إذا تناوله الإنسان أسهله أولا الدم ثم أهلكه بعد ذلك ، فبعد أن قتل به خلقا كثيرا على هذا المثال بحثت عنه بالاستقصاء فوجدت المستعمل له وسرت به إلى الحاكم فاستقصى عليه الحاكم وأراد قتله وقتل غيره إن كان أوقعه على ذلك الدواء وتعلّمه منه ، فزعم أنه لم يعرّفه إياه إنسان لكنه هو حمل في بعض الأوقات كبد خنزير ليسير بها إلى بعض الكهوف فحرّكه بطنه للخلاء فوضعها على حشيشة ، فلما قام وأخذ تلك الحشيشة رشح دم قد سال من جميع الكبد فحدس من ذلك أن الحشيشة تجذب الدم ، وسقى بها بعض من لقيه ليمتحنها فلمّا وجدها على ما قدّر استعملها آلة للشرّ منذ ذلك الوقت وأنه قد قتل بها خلقا كثيرا . فلما سمع السلطان قوله ، وكان فيما قاله في وصفه لذلك السمّ أنه ينبت في كلّ موضع بكثرة أمر أن تشدّ عيناه ويساق إلى القتل كي لا يشير إليها في طريقه . وقال في إثر هذه القصة قد توجد أيضا أدوية كثيرة قوّتها هذه القوّة أعني جذب الدم منذ أول الأمر إلا أنه يجب الإمساك عن ذكرها كما يجب أيضا الإمساك عن ذكر أدوية أخرى قتّالة على جميع من له عقل ، وذلك أنه قد كان قوم يفخرون بالقول في أمثال هذه الأدوية القتّالة إلا أنه لا يوجد أحد ممن له عقل يمدح إنسانا من هؤلاء . قال المؤلف : قد بلغنا ما أردنا من قوى الأدوية المسهلة فيجب علينا أن نعلم كيفية أخذها وتقديم ما ينبغي أن يقدّم قبل أخذها وما يجب التزامه بعد أخذها فأقول : إنّه ينبغي لمن قصد شرب دواء مسهل أن يرقّق غذاءه قبل أخذه له بيومين أو ثلاثة ويقلّل منه أيضا وليكن جيدا ، وليقصد فيه إلى ما يليّن الطبيعة بسهولة ويتّخذ على حسب المستعمل له في مزاجه والأخلاط الغالبة عليه ، ويجتنب الجماع قبل شرب الدواء أيضا بثلاثة أيام أو أربعة ويجتنب التعب والنصب ، وليدخل الحمّام في كلّ يوم إن كان الزمان خريفا ويستعمل صبّ الماء الفاتر والجلوس فيه ويمكث في الحمّام مدة أطول من عادته قليلا كي ترقّ الأخلاط وتتفتّح المسامّ فيجد الدواء سببا إلى إخراج الخلط المقصود دون عنف على الطبيعة . فإن كان الفصل شتاء فليفعل فيه مثل ذلك ، وإن كان صيفا فلا يقرب الحمّام البتّة ، وإن كان ربيعا فليتّخذ فيه أقلّ من رتبة الخريف قليلا وليشرب أيضا في جميع الفصول - خلا الصيف - الأشربة الملطّفة كشراب الأفسنتين