محمد العربي الخطابي
311
الأغذية والأدوية عند مؤلفي الغرب الإسلامي
فالاعتدال إذن متساوي الكيفيات لا تعلو واحدة منها فينسب إليها ويعرف بها . مثال ذلك أنّا لو أخذنا جزءا مغلى من ماء وجزءا مثله من جليد وخلطناهما لألفيناه معتدل القوام ولم يحسّ لامسه بحارّ ولا ببارد ولا برطب ولا بيابس البتّة لأن ما فيه من الحرّ مثله بعينه فيه من البرد ومثل ما فيه من الرطوبة مثله ما فيه من اليبوسة ، لأن الجليد لم يبلغ أن يكون جليدا إلا باليبس الداخل عليه . ومثال ثانيّ في هذا المعنى - وهو أغمض من هذا قليلا - وذلك أنّا لو أخذنا جزءا من الخردل الذي هو في الدرجة الرابعة من الحرّ واليبس ، وجزءا مثله من الأفيون الذي هو في الدرجة الرابعة من البرد والرطوبة لكان من هذين الخليطين خلط معتدل ولم يجب أن يسمّى باسم ثان غير الاعتدال فقط إذا تساوت فيه الأجزاء . ومثال ثالث في تركيب المعتدل - وهو أبعد من هذا وأغمض جدا - وذلك أنّا لو أردنا أن نركّب دواء معتدلا من حارّ في الدرجة الرابعة ومن بارد في الدرجة الأولى أخذنا درهما من عقير [ عقّار ] في الدرجة الرابعة من الحرّ خلطناه بخمسة عشر درهما من عقير في الدرجة الأولى من البرد فيعتدل التركيب . برهان ذلك أنّ في الدرهم من العقير الحارّ في الدرجة الرابعة ستة عشر جزءا من أجزاء الحرّ ، فألّف منها جزءا واحدا بسبب الجزء المقاوم له من البرد لأنّ كلّ عقير يكون في الدرجة الرابعة من الحرّ ففي الدرهم منه ستة عشر جزءا من أجزاء الحرّ وجزءا واحدا من البرد ، فلهذا تطرحه أبدا فيبقى خمسة عشر جزءا فاحفظها ثم اعلم ما في الدرهم من العقير الذي في الدرجة الأولى من البرد فتجد ذلك جزءين فتسقط من ذلك واحدا أبدا يبقى واحد ، لأنّ كلّ عقير يكون في الدرجة الأولى من البرد فيه جز آن من برد وجزء واحد من حرّ ، فلهذا السبب يسقط الواحد أبدا ، فاقسم عليه المحفوظ يخرج لك خمسة عشر فهو عدد الدراهم التي تجعل العقير البارد في الدرجة الأولى على الدّرهم الواحد من العقير الذي في الدّرجة الرابعة من الحرّ فيعتدل التركيب ، وعلى هذا المثال افعل في سائر الدّرجات عند تركيبك المعتدل يصحّ لك التركيب إن شاء اللّه تعالى . وأما تركيب المنحرف عن الاعتدال إلى أحد من الكيفيات فأصعب من هذا وأغمض وإن كان لا يعلم إلا بعد علم الاعتدال ضرورة ، لكنّه علم لا يستغني عنه كلّ من يتناول شيئا من علم الأبدان ، غير أنهم لمّا رأوا فيه من المشقّة والصعوبة بعدوا عنه وتكلّموا على نسخ الكتب وقلّدوها ولم يعلموا أنه قد مرّت على أيدي كثير ممن لم يحسن