محمد العربي الخطابي
16
الأغذية والأدوية عند مؤلفي الغرب الإسلامي
بصياغتها صياغة يقبلها منطق اللغة العربية إذ لم يتمكّن المترجم من العثور على المقابل العربي لكلّ الأسماء اليونانية الواردة في كتاب الحشائش « 24 » . وقد اتّفق أن وجّه إمبراطور بيزنطة سفارة إلى الخليفة عبد الرحمن الناصر عام 337 ه / 948 م وبعث معها بتحف وهدايا من ضمنها نسخة إغريقية من كتاب الحشائش لديسقوريدس محلّاة بصور الأعشاب ، وسرّ الخليفة بهذه الهدية النفيسة وأبدى اهتمامه الكبير بها وتاقت نفسه إلى ترجمة هذا الكتاب إلى اللغة العربية ، ولما لم يكن بقرطبة أحد يحسن اللسان الإغريقي فقد طلب عبد الرحمن الناصر من عاهل القسطنطينية أن يبعث إليه برجل يتقن الإغريقية واللاتينية ، فأجابه إلى طلبه وأوفد إليه راهبا اسمه نقولا ، فما ان وصل إلى قرطبة عام 340 حتى عيّن الخليفة هيأة علمية من الأطباء الأندلسيين العارفين بأشخاص النّبات والحيوان ، ومنهم عبد الرحمن ابن الهيثم ، ومحمّد الشجّار ، وحسداى بن شبروط الإسرائيلي ، وأبو عثمان الحزاز الملقّب باليابسة ، ومحمّد ابن سعيد ، والبسباسي ، وأبو علي الصقلي الذي كان يعرف اللغة اللاتينية ، وأكبّت هذه الهيئة على العمل بمشاركة نقولا الراهب ، فكانوا لا يكتفون بترجمة الألفاظ نقلا عن النص الإغريقي بل كانوا يتحقّقون من ذلك بالوقوف على أعيان النبات في قرطبة والتأكّد من مطابقة الأسماء للصّفات ، وبذلك أمكنهم إيراد المقابل العربي الصحيح لمعظم الأسماء الإغريقية « 25 » . وقد كانت هذه الترجمة الأندلسية لكتاب « الحشائش » حافزا جديدا دفع المهتمين بالأدوية النباتية إلى مواصلة البحث والتحقيق بهدف إكمال العمل الذي أنجزه النباتي الإغريقي وسدّ ثغراته وإصلاح الترجمة التي صدرت في بغداد ، وسيتبيّن لنا ذلك بوضوح في المؤلّفات التي سنتكلّم عليها فيما بعد . وقبل ذلك أرى من المناسب أن أشير هنا إلى كتاب جليل القدر صدر بالعربية في المشرق ألّفه أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري ( 282 ه / 895 م ) « 26 » وسمّاه كتاب « النّبات » أو « أعيان النبات » كما ورد في بعض المصادر ، وهو يحتوي على ستة مجلّدات يتضمن أحدها معجما لأسماء النبات
--> ( 24 ) ابن جلجل ، مقدمة المحقق ، ص يع - كا ؛ ابن أبي أصيبعة ، 2 : 48 . ( 25 ) عيون الأنباء ، 3 : 75 - 77 . ( 26 ) الزركلي الأعلام ، 1 : 119 ، وقد ذكر مصادر ترجمته ، بروكلمان ، 2 : 230 - 231 .