مصطفى لبيب عبد الغني

65

دور الزهراوي في تأسيس علم الجراحة

الآلات الجراحية لا نجد - عند أي من الأطباء من قبل - ما سوف نجده ولأول مرة في تاريخ التأليف الطبى عند أبي القاسم الزهراوى من وصف دقيق لآلات العمل باليد التي استخدمها في جراحاته العديدة ورسم لصورها وتحديد لمواد صنعها وهيئاتها وأحجامها وبيان وظائفها وكيفية استخدامها . وتبلغ هذه الآلات قرابة المئتين ، أقل القليل منها عرفه السابقون والكثرة الكثيرة جاءت من ابتكار عالمنا العبقري واقترنت بإحداث ثورة حقيقية في مجالات العلاج الطبى المختلفة - مثل جراحات أمراض العيون والأسنان والأنف والأذن والحنجرة وجراحات أمراض النساء والتوليد وجراحات الأورام المختلفة وفي أمراض الدم وجراحات الأعصاب وجراحات العظام . وفي ثنايا مقالتة في العمل باليد ، تفاصيل هذه الآلات وكيفية استخدامها ، ونذكر هنا ما كتبه عن الزرّافة ، ( الحقنة ) التي ابتكرها لتفريغ القيح وحقن الأدوية في التجويفات وبخاصة في المثانة بعد أن رسم أربع صور لها متباينة الأحجام ، كشاهد يبيّن منهجه في الوصف الدقيق لأدواته ، يقول الزهراوى : « تصنع من فضة أو من ( نحاس ) مجوّفة لها أنبوبة طويلة على رقة الميل مجوّفة كلها إلا الطرف فإنه مصمت ، فيه ثلاث ثقب : اثنان من جهة وواحدة من جهة أخرى . والموضع الأجوف الذي فيه المدفع يكون على قدر ما يسدّه بلا مزيد حتى إذا جذبت به شيئا من الرطوبات انجذبت وإذا دفعت به [ اندفع ] إلى بعد ، على ما تصنع النضاحة التي يرمى بها النفط في حروب البحر ، فإذا أردت طرح الرطوبات في المثانة وأدخلت طرف الزرّافة في الرطوبة وجذبت المدفع إلى فوق فإنّ الرطوبة تتجذب في جوف الزرّافة ثم تدخل طرفها في الإحليل على حسب ما وصفنا في القاثاطير ثم تدفع الرطوبة بالمدفع فإن تلك الرطوبة تصل إلى المثانة على المقام حتى يحسّ بها العليل « 1 » . ويستوقفنا فيما كتبه الزهراوى بهذا الخصوص تلك العلاقة الجدلية التي نشهدها بين الجراح وآلته ، والتنبه إلى ضرورة تطويع الآلة وفق ظروف كل حالة

--> ( 1 ) المصدر السابق ، الفصل التاسع والخمسون ، الباب الثاني ، ص 407 - 409 .