مصطفى لبيب عبد الغني
18
دور الزهراوي في تأسيس علم الجراحة
الفضول فيه ، واهمال نفسه في اكتسابها من الأغذية ونحو ذلك من الأسباب ؛ اللهم إلا أن يكون المرض الذي يستعمل فيه الكىّ مرضا لطيفا وفي عضو قليل الفضول والرطوبات مثل كىّ الضرس عن الوجع ونحوه فقد يمكن أن لا يعود فيه ذلك الوجع وذلك يكون في الأقل » « 1 » . وفي نقده لما يشيع في الثقافة الطبيّة التقيدية من أن « الكىّ آخر الدواء » - وهو ما أصبح من جوامع الحكم الطبيّة - يبيّن الزهراوى أن قول العامة إنّ الكىّ آخر الطب هو قول صواب « لا إلى ما يذهبون هم لأنهم يعتقدون أن لا علاج ينفع بدواء ولا بغيره بعد وقوع الكىّ . والأمر بخلاف ذلك . وإنما معنى أن الكىّ آخر الطب إنما هو أننا متى استعملنا ضروب العلاج في مرض من الأمراض ولم تنجح تلك الأدوية ثم استعلمنا آخر شئ الكىّ فينجح فمن هاهنا وقع إن الكىّ آخر الطب ، لاعلى المعنى الذي ذهب إليه العامة وكثير من جهّال الأطباء » « 2 » . ولا ينساق الزهراوى أيضا إلى ما يسلّم به بعض الأطباء قبله من أفضلية معدن الذهب على الحديد في الكىّ لشرف الذهب على بقية المعادن . وهو ما يكشف عن منحاه التجريبى وحرصه على أن تكون الخبرة لا الاستدلال الصوري هي مصدر المعرفة الطبيّة . وفي ذلك يقول : « ذكرت الأوائل أن الكىّ بالذهب أفضل من الكىّ بالحديد وإنما قالوا ذلك لاعتدال الذهب وشرف جوهره وقالوا إنه لا يتقيحّ موضع الكىّ . وليس ذلك على الإطلاق : لأننى قد جرّبت ذلك فوجدته إنما يفعل ذلك في بعض الأبدان دون بعض ، والكىّ به أحسن وأفضل من الحديد كما قالوا . إلّا أنك إذا أحميت المكواة في النار من الذهب لم يتبيّن لك متى تحمى عليه القدر الذي تريد لحمرة الذهب ولأنه يسرع إليه البرد . وإن زدت عليه في الحمى ذاب في النار والسبك فيقع الصانع من ذلك في شّغل . فلذلك صار الكىّ بالحديد عندنا أسرع وأقرب إلى الصواب للعمل . » « 3 » كما يظهر استقلاله في إيثاره لأساليب معيّنة لا يتابع فيها بالضرورة ما هو متعارف عليه ، وذلك في نحو قوله :
--> ( 1 ) المصدر السابق ، نفس الموضع . ( 2 ) المصدر السابق ، ص 13 - 15 . ( 3 ) المصدر السابق ، ص 15 .