مصطفى لبيب عبد الغني
17
دور الزهراوي في تأسيس علم الجراحة
وخطرها الأكيد . وكثيرا مما يصرّح الزهراوى بأن هناك من ضروب العلاج « التي ذكرتها الأوائل بكلام طويل لا يعود أكثره بفائدة » « 1 » . وفي مجرد تقليد الرؤساء وترك الاعتراض عليهم تمسّك بسنّة الرعاع . التقليد ومشايعة النظريات القديمة المستقرّة ينبغي إذن أن يتم بوعى وبصيرة ، بحيث يكون تقبل الآراء السابقة له ما يبرره من برهان عقلي أو دليل تجريبى ولا يكون تقليدا من أجل التقليد أو بدافع من الراحة والكسل أو تزكية لمشاعر الوجل من الجديد والمتميّز ؛ الأمر الذي يعبر عنه قول الزهراوى - في إيثاره لرأى من يرى منفعة الكىّ في بعض الأمراض : « وأنا أقول بقوله لأن التجربة قد كشفت لي ذلك مرات ، إلا أنه لا ينبغي أن يتصور على ذلك الأمر إلّا من قد ارتاض ودرّب في باب الكىّ دربة بالغة ووقف على اختلافات مزاجات الناس وحال الأمراض في أنفسها وأسبابها وأعراضها ومدة زمانها « 2 » . ونصيحة الزهراوى لتلاميذه من شباب الأطباء هي ألّا ينساقوا وراء الأقول الشائعة دون تمحيص كاف وضرورة الانصياع إلى ما تقضى به الخبرة . وفي دفعة لبعض الأحكام المتسّرعة في العلاج وردّ الزعم بأن العلاج بالكى هو أسلوب حاسم تمتنع معه عودة العلة بعد ذلك مطلقا دون اعتبار لمزاج المريض وقوته وظروفه الصحية العامة يقول الزهراوى : « ولا يقع ببالكم يا بنىّ ما يتوهموه العامة وجهّال الأطباء أن الكىّ الذي يبرئ من مرض ما لا يكون لذلك عودة أبدا وتجعلوه لزاما وليس الأمر كما ظنّوا ، من أجل أن الكي إنما هو بمنزله الدواء الذي يحيل المزاج ويجفف الرطوبات التي هي سبب حدوث الأوجاع » « 3 » ويستدرك الزهراوى على ذلك قائلا - في رحابة واتزان : « إلا أن الكي يفضل على الدواء بسرعة نجحه وقوة فعله وشدة سلطانه ، وقد يمكن أن يعود المرض وقتا ما من الزمان على حسب مزاج العليل وتمكن مرضه ، وقوته ، وما يتهيّأ في جسمه من اجتماع
--> ( 1 ) الزهراوى : « رسالة في العمل باليد » . الفصل الثلاثون ، الباب الثالث ، ص 813 . ( 2 ) المصدر السابق ، مقدمه الباب الأول ، ص 9 . ( 3 ) المصدر السابق ، الباب الأول ، ص 13 .