مصطفى لبيب عبد الغني

16

دور الزهراوي في تأسيس علم الجراحة

الجهّال والعوام ، كما يحرص على تأكيد القيمة الفائقة للاستفادة من البحوث السابقة ومطالعة كتب الأوائل كخطوة منهجية أولى تسبق إجراء البحوث التجريبية التي يتم من خلالها تجاوز معارف الأقدمين : ففي معرض ذكره لما يحتاج إليه الطبيب في جبر الكسر والفكّ الحادثين في العظام ، يقول على سبيل المثال : « إنه قد يدّعى هذا الباب الجهّال من الأطباء والعوام ومن لم يتصفح قط للقدماء فيه كتابا ولا قرأ منه حرفا . ولهذه العلة صار هذه الفن من العلم في بلدنا معدوما . وإني لم ألق فيه قط محسنا البتة ، وإنما استفدت منه ما استفدت لطول قراءتي لكتب الأوائل وحرصي على فهمها حتى استخرجت علم ذلك منها ، ثم لزمت التجربة والدربة طول عمرى » « 1 » . ومع تقدير الزهراوى البالغ لدور الابتكار وقيمته في البحث العلمي ولضرورة التثبت وعدم متابعة الآراء والأساليب التقليدية « 2 » أيا كانت وعدم مشايعة الأفكار العلمية السائدة دونما تمحيص إلا أنه كان على وعى بأن الابتكار ليس مجرد خروج على التقاليد العلمية ولكنه التجديد الذي يسترشد بخبرة السابقين ويحسن الظن بها ، وهو التجديد اللازم لمواجهة المشكلات الفعلية والملحة ؛ ولا موجب عنده للتردد في مخالفة التصورات والأساليب غير المجدية أو التي يثبت خطؤها

--> ( 1 ) المصدر السابق ، مقدمة الباب الثالث ، ص 677 . ( 2 ) من الملاحظ أن هذا الموقف النقدى الحصيف للأطباء المسلمين من السلطة العلمية - التي مثلها على الخصوص « أفضل الأطباء جالينوس » يكشف عن جانب أصيل ومتميّز في الطب الإسلامي كما يكشف عن الاتزان العقلي والتحرر الفكري لدى زمرة مباركة من الأعلام في طليعتهم أبو بكر الرازي صاحب أول كتاب انتقادى عن جالينوس هو . . « كتاب الشكوك على جالينوس » . وتشهد من بعد استدراكات ابن سينا في كتاب « القانون » واختلافات الزهراوى العديدة واستقلاله الواضح عنه . وتستوقفنا حقا نظرة ابن النفيس وهو يعتمد في جرأة ملحوظة « ما يقتضيه النظر المحقق والبحث المستقيم » وقوله : « ولا علينا وافق ذلك رأى من تقدّمنا أو خالفه » ( « كتاب شرح تشريح القانون » ، ص 17 ، من نشرة سلمان قطاية ومراجعة بول غليونجى ، القاهرة 1988 ) : فيجاهر بتخطئة جالينوس الحكيم في أكثر ما ذهب إليه في التشريح ومنافع الأعضاء ، كما يظهر اعتداده بخبرته العلمية - بما هو عالم مستقل - في قوله : « إنّا نريد أن نحقق الكلام . . . على الوجه المحقق ولا علينا من مخالفة المشهورين » . ( « شرح تشريح القانون » ، ص 433 ) . وبعد فترة لا حقة يطالعنا تاريخ الطب الإسلامي بانتقادات متلاحقة على جالينوس تظهر عند ابن بطلان ( + 458 ه / 1066 م ) وابن رشد في كتابه « الكليات » وعبد اللطيف البغدادي في كتابه « الإفادة والاعتبار » وغيرهم ، مع ملاحظة أن هذا الموقف ينطلق أساسا من التقدير الفائق لجالينوس ومن الاعتراف الصريح بأنّ كتبه التي وصلت إليهم هي أجود كتب السابقين في فنّها .