مصطفى لبيب عبد الغني
91
منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )
والطبيب الفاضل متى نقصت فيه واحدة من الخلّتين اللازمتين ( أي اتقان النظر واتقان الممارسة ) « فلأن يكون النقصان في المشاهدة خير بعد أن لا يكون لها عديما البتة بل يكون معه صدر منها أصلح من أن يكون عادما لما في كتب الأوائل من العلم . إلا أن بقليل المشاهدة والنظر يبلغ من قد عرف ما في الكتب وتصورها ما لا يبلغ كثير ممن لم يعرف ما في الكتب ولم يتصورها . فأما من تعاطى هذه الصناعة وكان أميّا أو عاميا لا يفهم الكلام ولا يجالس أهله ، فلا ينبغي أن يوثق بمعرفته ، بل لا ينبغي أن يظن أن عنده خيرا بتة » « 1 » . وليس هناك تسامح - بالقطع - في الجهل بمعارف العلماء السابقين ممن لهم في التأليف الطبى قدم راسخة . ورأى الرازي هنا هو ضرورة بدء الامتحان بالجزء النظري ثم يتبع ذلك الجزء العلمي ، ومن يرسب في الجزء النظري فلا داعى لاستكمال امتحانه إذ لا فائدة ترجى منه كطبيب . وفي ذلك يقول - متابعا جالينوس : « قد يمكن أن يتعلم الإنسان هذه الصناعة ثم لا يرتاض فيها على ما ينبغي ، أعنى تعاهد خدمة المرضى ، فيقصر عما يبلغه المرتاض ؛ وأما من لم يتعلمها أعنى من الكتب ، فليس يمكنه أن يرتاض في تعلم ذلك في المرضى ، وأما من قرأ ذلك فخليق أن يصيب الأوقات التي ينبغي أن يستعمل فيها كل واحد من هذه » « 2 » . والرازي يورد قول جالينوس : « واسأله ( أي المتقدم لامتحان الطب ) أين ذكر بقراط وغيره [ من ] الأشياء التي تدل على تقدمة المعرفة وصواب العلاج ، فإن ذكرها فاسأله عن مخالفة القدماء بعضهم لبعض وموافقتهم » « 3 » وعن تتابع خطوات الامتحان
--> ( 1 ) الرازي : « كتاب المنصوري » ص 235 . وقارن في ذلك ما يقوله « جابر بن حيان » : إياك أن تجرّب أو تعمل حتى تعلم ، ويحق أن تعرف البيان من أوله إلى آخره بجميع تنقيته وعلله ثم تقصد لتجرب » ( « كتاب التجريد » ص 137 - 138 ، نشرة هولميارد ) . وأيضا ما يثبته جابر بن حيان ، أيضا في كتاب « البحث » من « أن كل صناعة لا بد لها من سبوق العلم في طلبها للعمل ، لأن العمل إنما هو ابراز ما في العلم من قوة الصناعة إلى المادة المصنوعة لا غير » ( « كتاب البحث » ، ص 14 ، مخطوط بدار الكتب المصرية برقم 2681 و ) . ( 2 ) إسكندر ، ألبيرزكى : « الرازي ومحنة الطبيب » ص 504 . ( 3 ) المرجع السابق ، نفس الموضع .