مصطفى لبيب عبد الغني
92
منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )
يذهب الرازي أيضا مذهب جالينوس في قوله : « فأول ما تسأله عنه التشريح ومنافع الأعضاء ، وهل عنده علم بالقياس وحسن فهم ، ودراية في معرفة القدماء ؟ فإن لم يكن عنده ذلك ، فليس بك حاجة إلى امتحانه في المرضى ؛ وإن كان عالما بهذه الأشياء فأكمل امتحانه حينئذ في المرضى » « 1 » . ودليل الرازي في ذلك ، القائم على اتصال تاريخ العلم والإيمان العميق بفكرة التقدم ، هو أن صناعة الطب « لا يمكن للإنسان الواحد [ إذا لم ] « * » يحتذ فيها أثر [ من ] تقدمه أن يلحق منها شيئا حتى ولو أفنى فيها جميع عمره ، لأن مقدارها أطول من مقدار عمر الإنسان بكثير . وليست هذه الصناعة فقط بل جلّ الصناعات كذلك . فإنما أدرك ما أدرك من هذه الصناعة إلى الغاية في ألوف السنين ألوف الرجال . فإذا اقتفى المقتفى أثرهم صار ما أدركه [ كدركهم ] كلهم في زمان قصير وصار كمن عمّر تلك السنين وعنى بتلك العنايات . وإن لم يكن ينظر في كتبهم ، فكم عسى تراه يمكن أن يشاهده في عمره وكم مقدار ما يبلغه استخراجه ولو كان من أعقل الناس وأذكاهم ، على أن من لم ينظر في الكتب ولم يفهم صورة العلل في نفسه قبل مشاهدتها فهو وإن شاهدها مرات كثيرة أغفلها ومرّ بها صفحا ولم يعرفها البتة » « 2 » . إن نقطة البدء اللازمة لكل استدلال تجريبى هي الفكرة السابقة أي الفرض ، ويغير هذا يعجز المرء عن أن يقوم بأي بحث أو أن يتعلم ، وتقتصر جهوده حينئذ على جمع الملاحظات العقيمة وتكديسها . وإذا هو جرّب بغير فكرة سبق تصورها سلك سلوكا عشوائيا . أما الملاحظة فشأنها غير هذا فإذا قام بالملاحظة بأفكار سبق تصورها فسدت ملاحظاته ، وتعرض للاعتقاد بأن ما تصوره ذهنه هو الواقع « 3 » . وفي ذلك يقول الرازي ، في حسم ووضوح ، إنه : « متى كان اقتصار
--> ( 1 ) المرجع السابق ، ص 504 - 505 . ( * ) ما بين قوسين معقوفين هكذا [ ] إضافة من عندنا على قراءة : حازم البكري الصديقي ، حتى يستقيم المعنى . ( 2 ) الرازي : « المنصوري » 235 - 236 . ( 3 ) راجع « كلود برنار » : « مدخل إلى دراسة الطب التجريبى » ص 32 .