مصطفى لبيب عبد الغني

77

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

مقدمة كتابه « الشواهد » : « فنحن ذاكرون فيه عيون أقاويلهم فيها . . ونتحرى من ذلك أوضحها وأقلها إلى التفسير حاجة لئلا يطول الكتاب بشرح الغامض ولا نكثر منها أيضا إذ كان القليل منه ينوب عن الكثير . وإن عجزنا عن جميع كل كتبهم فضلا عن قراءتها ، والتقاط النكت الصادقة فيها ذكر دلالات الحكماء على حجابها » « 1 » . * * * إن الكلمة من الكلمات هي عند الرازي مجرد أداة يعبر بها الانسان عن تصوراته للأشياء ، وهي تستمد مشروعيتها من اتفاق الناس عليها . وقد ترتب على ذلك أن نظر الرازي إلى اللغة - أي لغة - على أنها اصطلاحية لا توقيفية . « فأمر اللغات هو أمر اعتيادى أو اشتغال » كما يقول « 2 » . وإذا كان هناك من يرى في لغة اليونان - مثلا - امتيازا على سائر اللغات لعذوبتها ودقتها وتوفيقها في التعبير عن دقائق المنطق وحقائق العلوم . على حين يرى البعض الآخر امتياز لغة العرب على سائر لغات البشر إلى حد إرجاعها إلى مصدر إلهي نزل به الوحي فإن الرازي ، وهو الفيلسوف العقلانى الكبير ، يتشكك في صحة مثل هذه الدعاوى العريضة تفتقد الوجاهة ويعوزها اليقين . وهو يقول مفنّدا وجهة نظر جالينوس في تفضيل اللغة اليونانية : « إن هذا كلام عوام الناس ومن لا تدرى أن الألفاظ إنما تخف وتعذب بالاعتياد . وأن لغة العرب عند العرب كلغة اليونانيين عندهم وأن العرب تستقل لغة الروم كما

--> ( 1 ) H . E . Stapleton and Azo , An Alchemical . . , p . 89 . وقارن في ذلك مثلا ما يقوله جابر بن حيان عن كتابه « الإيضاح » : « قد سمّيناه كتاب الإيضاح لأنا نريد أن نوضح فيه ما رمزه الحكماء من قبلنا فأكثروا ذكره في كتبهم بالأسماء المختلفة والصفات المدهشة التي راموا بها تضليل الجهال عن هذا العلم الشريف وإدهاشهم عنه » . ( جابر بن حيان : كتاب الإيضاح » ص 51 نشر وتحقيق : هولمبارد ، باريس ، 1928 ) . ( 2 ) الرازي : « كتاب الشكوك » ص 35 - 36 .