مصطفى لبيب عبد الغني

76

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

ولقد جاهد الرازي لينفض عن لغة العلم ما كانت تنوء به من أثقال معوقة وحجب كثيفة وما كانت مشبعة به من دلالات سحرية تتعدى مجرد اعتبار ألفاظ اللغة اصطلاحات يتعارف عليها المشتغلون بالعلم : فترى في « الكلمة » المعينة من كلمات اللغة عند الرامزين قدرة على الكشف والإيحاء والتأثير في دنيا الفعل يزعمونه ! . وفي عبارة واضحة وحاسمة يبيّن الرازي أن « الرموز إنما هي الشواهد للعالم فأما أن تكون معلمة للصنعة فلا » « 1 » . وهذا القصد إلى الإيضاح ودقة التعبير عن الأفكار العلمية إنجاز كبير يحسب للرازي في وقت كان الرمز والإلغاز والحشو من السمات الراسخة في تقاليد الكتابة التي يزعم أنها علمية « 2 » . وإلى جانب إدراك الرازي لمضرة الإلغاز في الكتابة العلمية كان حريصا أيضا على أن يأتي التعبير عن الفكر واضحا مختصرا مفيدا لا لبس فيه ولا غموض ولا إطالة بحشو الكلام : فهو يقول - عن مؤلفات القدماء الكيميائية - في

--> ( 1 ) المصدر السابق ، نفس الموضع . قارن ما يذهب إليه « كلود برنارد » في قوله : « إن من المبادئ المطلقة للمنهج التجريبى أن نقيم التجريب أو الاستدلال على واقعة محددة أو على ملاحظة جيدة لا على لفظ مبهم . . . ومن الضروري ألا ننخدع بالكلمات التي تجعلنا نغفل عن حقيقة الوقائع » ( مدخل إلى دراسة الطب التجريبى ، ص 214 ، من الترجمة العربية ) . ( 2 ) Holmyard , E . J . , Chemistry to the time of Dalton , P . 22 . وأيضا : فرات فائق خطاب : « قصة الرموز والمصطلحات والمعادلات في الكيمياء القديمة » ص 147 . مجلة المورد العراقية ، العدد الرابع ، المجلد السادس ، 1977 . وجدير بالتنوية هنا ما يذهب إليه « سارتون » في قوله « إن مفكري العصور الوسطى كان منقادين لاعطاء مغزى زائدا للكلمات وأصولها ، بصرف النظر عن الموضوعات ( الأشياء ) التي تمثلها ، وإنه بعد قرون من النزال الشديد وبعد الاستقرار النهائي للمنهج التجريبى ، عندئذ فقط بدأنا بالتدريج نتعلم اعتبار الكلمات رموزا أو « علامات » بحيث يمكن ، ويقدر ما تكون الأغراض العلمية مأخوذة في الاعتبار . أن تستبدل استبدالا نافعا بعلامات أو إشارات تعسفية ليس لها أي مغزى . إن التمييز بين الأسماء والأشياء هو أمر متأصل بعمق في عقول الرجال المدربين تدريبا علميا إلى حد يصعب عليهم فيه أن يفهموا كيف يمكن أن يحدث الخلط بينهما ؛ ما لم يكتشفوا أمثلة على هذا الخلط كل يوم غالبا في محيطهم الذي يعيشون فيه . وإن تحرر العلم من النزعة اللفظية » Verbalism كان تحررا بطيئا وقاسيا مثله تماما مثل تحرره من اللاهوت ؛ ومع ذلك فلم يكن هذا التحرر كاملا في أي من الحالتين » . Sarton , G . , Introduction . . . , p . 7 .