مصطفى لبيب عبد الغني
73
منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )
الطبيب قد أحكم الأصول وقرأ الفروع ، فإنه من غير هذين لا يصح له شئ ، ولا يهتدى لأمر من الأمور في الصناعة ، وعليهما فأعتمد ودع ما يهذى به جهال العامة بأن فلانا قد وقعت له التجربة في غير علم يرجع إليه ، فإن ذلك لا يكون ولو كان أطول الناس عمرا ، وما نفع له من علاج موافق ، فهو من حسن الاتفاق . فأعلى درجات هؤلاء الذين ليسوا يرجعون إلى علم أصول الصناعة ، أنهم ينظرون في الكتب فيستعلمون منها العلاجات . وليسوا يعلمون أن الأشياء الموجودة فيها ، ليست هي أشياء تستعمل بأعيانها ، بل هي مقالات جعلت ليحتذى عليها ، وتعلم الصناعة منها « 1 » . * * * ويرتبط بخاصيتى التجريد والتعميم في العلم سعى العالم إلى تصنيف الوقائع والحقائق العلمية بما يحقق الوحدة بين الأمثلة المتشابهة حين يتم إدراجها ضمن فئات أعم ولعل موطن الطرافة عند الرازي هي مقدرته الفائقة على التصنيف . وذلك في الطب « 2 » وفي الكيمياء « 3 » على وجه الخصوص . * * * ويلزم عن خاصية التجريد الحرص على صياغة لغة العلم بما يرتفع بها عن الارتباط بالمحسوس وصولا إلى ما هو عام ومتفق عليه . ولأهمية هذا الجانب عند الرازي ، ستتناوله بشئ من التفصيل . اللغة العلمية : للرازي جهود موفقة في تأصيل المصطلح العلمي وصياغته في لغة العرب ، في بدايات عصر التأليف العلمي المبتكر ، وهو يتابع في ذلك الإنجاز الضخم
--> ( 1 ) « رسالة الرازي إلى بعض تلامذته » ص 177 ( مخطوط بدار الكتب المصرية ) . ( 2 ) راجع مثلا : الرازي : « الحاوي » ج 14 ص 89 - 90 . ( 3 ) Holmyard . . E . J . : Makers of chemisry , PP . 64 - 66 , London , 1968 .