مصطفى لبيب عبد الغني

63

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

التنبؤ ، والاعتقاد في صحته ، سنده افتراض ثبات الخصائص الجوهرية وثبات الطبائع ، والتسليم بمشروعية الإيمان والتوافق والانسجام بين العقل والطبيعة : وإلا لبطلت - دونما مبرر - وظيفة الحكم الاستقرانى وجدواه ، إذ أن محاولة البرهنة على اطراد الحدوث توقعنا - في رأى الكثيرين - في مغالطة الدور المنطقي « 1 » * * * نجد عند الرازي تحليلا لطبيعة الحكم الاستقرائى القائم على تكرار الحدوث والمأخوذ من جرى العادة والذي لا يرقى إلى مرتبة اليقين العقلي الجازم . كما نجد عنده إدراكا عميقا للفرق بين الحكم الاستقرائى - يستمد صحته المشروطة من الخبرة - في ميدان العلم الطبيعي مثل الطب والكيمياء ، وبين الحكم الاستنباطى الرياضى الصوري الذي يفترض فيه الصحة استنادا إلى « أوائل العقل » . والذي تكون حتمية صوابه حتمية عقلية منطقية . ومثاله النتيجة الضرورية للقياس المنتج . وعلى الرغم من أن عناية الرازي كان موجهة أساسا إلى ميدان العلوم الطبيعية دون العلوم الرياضية « 2 » - فإنه كان واعيا بالفرق بين طبيعة الحكم ومنطق القضايا في هذا وذاك . وفي شكوك الرازي على جالينوس يأخذ عليه - وهو بصدد مناقشته في قضية « قدم العالم وحدوث » التي اضطرب فيها الحكيم اليوناني - عدم التفرقة بين طبيعة الحكم الاستقرائى الاحتمالي المرجح الحدوث وبين الحكم البرهاني الضروري المحتوم ، ويأخذ عليه عدم ادراكه - في كتابه « البرهان » - للشروط اللازم توافرها في بديهيات العقل وأوائله ،

--> ( 1 ) Fredrick Will , the future be like the Past , pp . 39 - 40 . in ( " Logic and lan - guage : , edit . by ; Antony , Flew , Basil Blackwell , Oxford 1955 . ( 2 ) بعد أن يعدد الرازي مؤلفاته في فنون الفلسفة من العلم الطبيعي والإلهى يقول : « فأما الرياضيات فإني مقرّ بأنى لاحظتها ملاحظة بقدر ما لم يكن لي منها بد ولم أفن زماني في التمهر بها للقصد منى ذلك لا للعجز عنه . ومن شاء أوضحت له عذرى في ذلك بأن الصواب في ذلك ما عملته لا ما يعمله المفنون لأعمارهم في الاشتغال بفضول الهندسة » ( السيرة الفلسفية » ، ص 109 ) .