مصطفى لبيب عبد الغني
64
منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )
والتي هي عند الرازي ترادف ما يستحيل تصور نقيضه ، وعدم التمييز بين الحكم البرهاني الصحيح صحة مطلقة والحكم المشروط المفترضة صحته مجرد افتراص ليس إلّا ، وواضح أن الرازي يسلّم تسليما باطراد الحدوث في الكون ويفترض ثبات سننه افتراضا يقوم عليه ادعاء الصواب في الحكم العلمي ودون امكانية البرهنة عليه عقلا أو على أساس تجريبى يتجاوز التحقق من الحاضر إلى التحقق من الماضي والمستقبل على السواء ! طالما أنه من المتعذر الإحاطة بكل آثار الموجودات بعضها في بعض ، والإحاطة بما يقع في خبرتنا على نحو شامل في الماضي والحاضر والمستقبل . وإذا كانت المعرفة العلمية تقوم على « الميل » إلى الاعتقاد بأن حوادث الكون المستقبلة ستجرى وفق أحداث الماضي فإن هذا الميل يدعّمه على الدوام تكرار الحدوث كما أنه يرتبط أيضا بتصور اتّساع امكانياتنا في المعرفة صوب الأبعد والأدق والأرقى بلا حدود : لأن البديل لهذا الاعتقاد هو الشك المطلق المدمر تماما للعلم . وقد لا تكون هناك أسس سليمة يقوم عليها الإيمان بالاستقراء إلا أنه لا سبيل لنا - فيما يرى رسل - إلا الإيمان به ، مع وجوب الإقرار بأنه يظل - من الناحية النظرية معضلة منطقية غير قابلة للحل . « 1 » يقول الرازي في ذلك مستدركا على جالينوس : « ذكر التوالي الضرورية اللازمة للمقدم بهذا وذلك أنه إن كان الوقت شتاء فإنه كان لا محالة بعقب خريف قد تقدمه وكان الخريف بعقب الصيف وأن هذا الصيف إذا كان في وقت من الأوقات تبعه لا محالة خريف وتبع الخريف شتاء . هذا نص قوله . ولست أحسب أن لزوم هذا التالي لهذا المقدم يكون اضطرارا ما لم يشترط فيه الشريطة فيقال : هي على هذه الجهة إن كانت اللازمة : لم يزل ولا يزال يجرى على ما هي عليه جارية الآن . . . فأما ما لم تصح الشريطة التي ذكرنا فلا يصح لزوم هذه التوالي لهذه المقدمات . وإن كان لم يصح عند جالينوس أقديم العالم أم محدث لم يكن ينبغي له أن يطلق هذا الكلام إلا مشترطا على ما ذكرناه . . . إذا ليس العلم
--> ( 1 ) راجع في ذلك مثلا : Russell , B . , The Scientific outlook'' , P . 69 - 79 , 82 - 83 .