مصطفى لبيب عبد الغني

60

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

وتفاضل بين الأفراد لا ينكر إلا أن بلوغ الغاية يظل مثلا أعلى لا يكاد يشارفه إلا الرجل الفيلسوف الفاضل . وتصور العقل - عند الرازي - لا يقتصر على كونه أداة من أدوات المعرفة وملكة من الملكات أو وظيفة من وظائف النفس الناطقة وكفى : ولكن العقل عنده أرحب من ذلك بكثير فهو « من أنوار الله عز وجلّ » « 1 » ، وهو مرتبة مقدمة من مراتب الإبداع الكوني ، ولا نخطئ القول بأن في أفكار الرازي عن العقل ما يجعلنا نستنتج أنه أصل وغاية وأن الموجودات الطبيعية لا يمكن فهم طبيعتها وتطورها إلا في ضوء علاقتها بالعقل ، وأن العلم - بتعبير سارتون - ما هو « إلّا المرآة الإنسانية للطبيعة » « 2 » : فالمعقولية جذر الكون وأساسه . ( ثانيا : اطراد الحدوث وثبات السنن الكونية ) الحتمية والضرورة وثبات السنن الكونية واطراد الحدوث على نمط ثابت لا يتخلّف أمور يلّم بها عالم الطبيعة ولا يجد للبرهنة عليها سبيلا لا بواسطة الاستدلال العقلي الصوري ولا بواسطة الدليل التجريبى القائم على الملاحظة المضبوطة والقابلة للإعادة والتكرار . وتلك نتيجة نخلص إليها من تحليل الأسس المنطقية للعلم ومن تحليل طبيعة الحكم العلمي بشقيه الاستنباطى والاستقرائى . وقد تأرحجت هذه الأفكار عن الضرورة أو الرحجان لظواهر الطبيعة ومن ثم لقضايا العلم بين التأييد تارة والتشكيك أو الإنكار تارة أخرى . والرازي وقد نظر في وضع المسألة عند السابقين واجتهد ونظر للوصول إلى الحق بنفسه يصل إلى نتيجة حاسمة فيما يتعلق بطبيعة المسلّمات في العلم وطبيعة القضايا العلمية وحدود البحث التجريبى ، وهو في ذلك كله له الرأي الراجح والقدم

--> ( 1 ) الرازي : « المدخل الصغير إلى علم الطب » ص 106 ب . ( 2 ) راجع في ذلك : سارتون ، جورج : « تاريخ العلم والانسية الجديدة » ص 82 ، ترجمة إسماعيل مظهر ، القاهرة 1961 ، وقارن أيضا : Errol , Harris , Nature , mind and modern sci - ence''PP . 450 - 452 , George Allen Unwin , Newyork , The Macmillan company , 1954 .