مصطفى لبيب عبد الغني
41
منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )
في سعيها نحو الكمال المطلق وإنقاذ لها من التردى في هوة العدم أو النقص . . ومن الجدير بالذكر هنا أن دعوة الرازي هذه إلى الخلاص كانت متفردة عن دعوات أخرى عديدة في الفكر الاسلامي استهدفت نفس الغاية - على نحو ما نجد في فلسفة إخوان الصفا - فالرازى يجعل مناط الخلاص هو مارسة الحرية العقلية بغير حدود ، على حين أن كثيرين غيره ممن بذلوا جهودهم للتوفيق بين المعرفة العقلية والحقيقة الدينية وكانت نظرية النبوة محور اهتمامهم والتمييز بين طوائف ، المدركين سبيلهم قصدوا إلى بلورة فلسفة دينية خاصة في مقابل شريعة العامة . « 1 » إن صرح العلم لا يكتمل إلا بتضافر جهود العلماء ، ولذلك يتوجب على « المتأخر في الزمان أن يتطلب ما أغفلته الأوائل وطوته . . . وأغمضت الكلام فيه » « 2 » . وكثيرا ما كان الرازي يؤكد أن صناعة الطب - على سبيل المثال - بما هي علم وعمل « لا يمكن الإنسان الواحد إذا لم يحتذ فيها على مثال من تقدمه أن يلحق فيها كثير شئ ، ولو أفنى جميع عمره فيها ، لأن مقدارها أطول من مقدار عمر الانسان بكثير . وليست هذه الصناعة فقط ، بل جلّ الصناعات كذلك ، وإنما أدرك من أدرك من هذه الصناعة إلى هذه الغاية ، في ألوف من السنين ألوف من الرجال ، فإذا اقتدى المقتدى أثرهم صار كمن أدركهم كلهم في زمان قصير ، وصار كمن عمّر تلك السنين » « 3 » .
--> ( 1 ) يروى " ناصر خسرو " أن أبا بكر الرازي يقول في كتابه « العلم الإلهى » : « إنه لا يخرج أحد من هذا العالم إلا بهذه الفلسفة ، ولا يصل إلى العالم العلوي ولا ينجو إلا بتدبير من هذه الحكمة » ( زاد المسافرين ، ص 212 - 213 من نشرة كوربان ومحمد معين ، تهران - باريس 1953 ) . وقارن ما يقوله جابر بن حيان : « يا معشر الناس ! اسمعوا وعوا واحذروا وابحثوا واطلبوا لتفلحوا بهذا الأنوار العالية وترقوا في فردوس الحكمة وتخلصوا من هذا الكون الفاسد والعذاب الأليم : فإنه ليس براق من أغفل صناعة الفلسفة لكنه راسب مضمحل إلى أسفل دئما » . « كتاب إخراج ما في القوة إلى الفعل » ص 37 . من نشرة كراوس . ( 2 ) الرازي : « رسالة في الداء الخفي » ورقة 1 . ( مخطوط مجلس شوراى ملي - شمارة 4679 ) . ( 3 ) الرازي : « المنصوري » بتحقيق حازم البكري الصديقي . ص 235 - 236 .