مصطفى لبيب عبد الغني

42

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

ولا يستنكف الرازي أن يطالب غيره من العلماء والباحثين باستكمال واصلاح ما قصّر هو فيه ، يقول في ذلك : « قد أصلحت أنا هذا ، وينبغي أن يصلح أكثر من هذا ، حتى تميّز أصناف الرسوب كله بعلامات صالحة واضحة ، إن شاء الله تعالى » . « 1 » كما يرى أن العلوم والصناعات لا تزال تزداد وتقرب من الكمال على الأيام ويكتسب اللاحق خبرة السابق ويزيد عليها حتى يصير ذلك « سببا يسهل له استخراج غيره به فيكون مثل القدماء في هذا الموضع مثل المكتسبين ومثل من يجئ من بعد مثل المورثين المسّهل له ما ورثوا اكتسابه أكثر وأكثر » . « 2 » على أن هذا التقدم العلمي الموصول عصرا بعد عصر لا يسلم به الرازي دونما قيد ولا شرط ، لكنه - وهو الخبير بطبائع البشر المستقرئ لأحوال الأمم في انبعاث عزائمها أو قعود هممها - يجعله مشروطا بكون اللاحق أهلا لتحمل أمانة العلم وتطويره ، وفي ذلك يقول : « فإن قيل ما الذي يدعو إلى أن يكون المتأخرون من أهل الصناعات أفضل فهما من القدماء قلت إني لا أرى أن أطلق ذلك إلا بعد أن اشترط في وصف هذا المتأخر في الزمان بأن أقول : إذا كان مكمّلا لما جاء به القديم » « 3 » * * *

--> ( 1 ) الرازي « الحاوي » ورقة 433 من مخطوط البودليانا . ( 2 ) الرازي : « كتاب الشكوك » ص 1 ( 3 ) المصدر السابق ، نفس الموضع ، وراجع أيضا : Kraus , P . Jabir Ibn Hayyan'' , vol . II pp . 125 - 126 , L'Institut Francais D'Archeolo - gie Orientale , Le Caire , 1942 .