مصطفى لبيب عبد الغني
40
منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )
وفي دفع الرازي لوجهة النظر الرجعية عند دعاة الإسماعيلية يؤكد أن : كل متأخر إن صرف همته إلى النظر وواظب على ذلك واجتهد فيه وبحث عن الذي اختلفوا فيه لدقته وصعوبته علم علم من تقدمه وحفظه واستدرك بفطنته وكثرة بحثه ونظره أشياء أخر ، لأنه مهر بعلم من تقدمه وفطن لفوائد أخر واستفضلها ، إذ كان البحث والاجتهاد يوجب الزيادة والفضل . « 1 » وليس ما يمنع من عنى في أي زمان كان أن يصير أفضل من بقراط . وهكذا تصدى الرازي للفكر الإسماعيلي الذي لم يجوّز « أن يكون التابع أعلى من المتبوع والمأموم أتم في الحكمة من الإمام » وأن يستدرك الخلف على السلف . ولا يخفى أن الاتجاه الإسماعيلي المحافظ يلزم عنه تصور الحقيقة تصورا جامدا منغلقا يؤثر السلامة ويتقى المجهول في مقابل الاتجاه العقلانى المتحرر يند عن كل ضرب من ضروب « القطعية » ويعلو على كل سفسطة ترى في اختلاف الرأي شرّا وزيادة في العمى وتقوية للباطل ونقضا وفسادا « 2 » . والقول الفصل للرازي هنا هو أنّ « من نظر واجتهد بلغ الغاية ، ولأن الأنفس لا تصفو إلّا بالنظر والبحث » « 3 » . إن الغاية من المعرفة عموما في ميدان العلوم بأنواعها العديدة لا تقتصر على مجرد الوصف ولا التفسير أو الفهم فحسب ولكنها السبيل الوحيد لخلاص النفس
--> ( 1 ) المناظرات بين الرازيين » ص 301 ( ضمن رسائل الرازي الفلسفية ) . وراجع تعليق روزنتال ، ف : « مناهج العلماء المسلمين في البحث العلمي » ص 185 - 186 ، ترجمة أنيس فريحة مراجعة وليد عرفات ، بيروت 1962 . ( 2 ) وفي هذا يحتج أبو حاتم الرازي قائلا : « إذا كان الذي استدركه المتأخر خلافا على من تقدمه كما خالفت أنت من تقدمك فإن الخلاف ليس بفائدة بل الخلاف شر وزيادة في العمى وتقوية للباطل ونقض وفساد . ونحن نجدكم لم تزدادوا بكثرة البحث والنظر بآرائكم إلا اختلافا وتناقضا . فإذا اشترطت على نفسك أن المتأخر يدرك ما لم يدركه المتقدم كما زعمت أنك أدركته وأوردت الخلاف على من تقدمك لا تأمن أن يجيئ بعدك من يجتهد فوق ما اجتهدت فيعلم ما قد علمت ويدرك بفطنته واجتهاده ونظره ما لم تدركه أنت . وينقض ما حكمت به ويخالفك في أصلك كما نقضت على من تقدمك وخالفته في أصله . . وعلى هذه الشريطة فإن الفساد قائم في العلم والحق معدوم أبدا والباطل منتظم . والذين خالفوك قد مضوا على الباطل والضلال لأن الخلاف باطل والخطأ ضلال . ويلزمك أيضا على هذه الشريطة أن تمضى على الباطل والضلال إذ كان الذي يجيئ بعدك يأتي بفائدة ويصيب ما لم تصبه على قياس قولك » ( رسائل الرازي " ص 301 - 302 ) . وواضح هنا أن أبا حاتم - وهو المجادل العنيد - لم يفهم أن الفلسفة محبة للحكمة وسعى إليها ، وأن اختلاف الرأي مظهر طبيعي لفاعلية العقل السليم . ( 3 ) الرازي : « رسائل الرازي » ص 303 .