مصطفى لبيب عبد الغني

23

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

( خامسا ) : ونحسن تقدير قيمه الجهد العلمي للرازي حين نضع في اعتبارنا طبيعة العلم في عصره من حيث هو شجرة حيّة متعددة الفروع والأغصان تنمو نموا عضويا متآزرا ، ويعتمد التقدم في علم منها على التقدم في العلوم الأخرى ، وقد كان للرجل الواحد أنشطة علمية شتى قد لا يرضى عنها عصرنا بإغراقه في التخصص وبما يشهده من الاتساع الهائل لبنية المعرفة العلمية والتدفق الذي لم يسبق له مثيل في المعلومات الوافرة تتاح أمام الباحثين في أي فرع من فروع العلم على حدة ، ودراسة النشاط العلمي للرازي من وجهه نظر علم مفرد من العلوم لا يجعلنا نقدر عظمته الحقيقية تمام التقدير لا سيما وأن نشاطه العلمي امتد فشمل علوم المادة والحياة والإنسان وكان بذلك العالم الفيلسوف الذي حرص على أن تكون سيرته تجسيدا لنموذج الحكمة الرفيعة بقدر الطاقة الإنسانية وفق المثل العلمية الرفيعة لعصره . لعلّ في ذلك كله ما يوجب - في نظرنا - دراسة المنهج العلمي عنده للتعرف على أبعاده وتطبيقاته ، خاصة وأن ما يوحّد العلم هو منهجه لا موضوعه ، وأن النشاط العلمي في صميمه نشاط منهجى يتبع خطة سير بعينها وليس تراكمات من وقائع أو « أحداث » هي بطبيعتها موجودة في الواقع ، وجد هذا العلم من العلوم بعينه أم لم يوجد ، وأن العلم بقوانينه وتمام بنيانه والوجهة التي يتجه إليها والطابع الذي يكون مطبوعا به رهن بملكات الإنسان وقدراته المعرفية المنوعّة . ( سادسا ) : من الخطأ البيّن تناول تاريخ الأفكار في إطار النزعات القومية والعنصرية رغبة في تمجيد فترة تاريخية بعينها . وعلى ذلك فينبغي أن نقصد إلى الكشف عن حقائق التاريخ العلمي بحيدة وموضوعية ، ودون زعم أجوف بأن جهود علمائنا فاقت جهود المحدثين ! وكما لا يصح الغلو في تمجيد الأفكار تمجيدا زائفا فلا ينبغي بالمثل أن نغمط العباقرة حقهم ولا تتوافر لنا - في الحكم عليهم - نزاهة التقدير ، إذ ليس من الإنصاف الحكم على الإنجازات العلمية